الأمور الثّلاثة وهي من جهة كونها من الأمور الدّنيويّة لا يدلّ على أزيد من الكراهة نظير ما ورد في الادّخار في يوم العاشور من قوله ع ولا يدّخرن أحدكم لمنزله شيئا فإنّه من فعل ذلك لم يبارك فيه ولكنّ الأظهر في النّظر دلالتها من جهة ترتّب الأمر الثّالث عليه من الموكول إلى النّفس لأنّه لا يكون إلَّا بسقوط الإنسان عن نظره جلّ شأنه العزيز وهو مرتبة الخذلان الَّذي هو أشدّ من مراتب العقوبة عند ذوي العقول الكاملة قوله وفي مرسلة هشام إلى آخره ( 1 ) أقول لا وجه للاستدلال بها على الحرمة لأنّ الظَّاهر أنّ الأمر المستفاد من قوله ع إيّاك إلى آخره للإرشاد فتأمل قوله وفي رواية سعد الإسكاف إلى آخره ( 2 ) أقول وجه دلالتها من أنّ المراد الجمع فيها هو العزم وقوله ما أراك ( 3 ) ذمّ لصاحب الطَّعام على عزم الخيانة والغشّ ببيع هذا النّحو من الطَّعام ولا يصحّ الذّمّ على العزم إلَّا إذا كان المقصود والمعزوم عليه ممنوعا عند الذّامّ فيدلّ على حرمة ذاك الفعل الخارجي بقصد التّوصل به إلى البيع المذكور فتدلّ بالملازمة على حرمة البيع ومن هنا ظهر فساد توهّم الاستناد في اعتبار القصد في حرمة الغشّ إلى تلك الرّواية باعتبار أنّ الذّمّ إنّما وقع على العزم على الغش لا على نفسه وجه الفساد قد علم ممّا تقدّم سابقا قوله وقوله ع فيه غشّ جملة ابتدائيّة ( 4 ) أقول يعني بها الاستئنافيّة في اصطلاح علماء البيان فكأنّه قيل لم لا يباع بشيء فقال ع لأنّ فيه غشّ أي خلط وفساد هذا بناء على كون الشّيء في الرّواية مصدّرة بالباء الجارّة كما في محكيّ بعض نسخ التّهذيب وأمّا بناء على عدم وجودها كما في محكيّ البعض الآخر والكافي والوسائل فهي جملة توصيفيّة والمعنى على هذا واضح بل يمكن أن تكون وصفا على النّسخة الأولى بأن يقال إنّ المراد من البيع هو الشّراء على ما سيجيء في ألفاظ البيع من أنّ البيع من الأضداد ونائب الفاعل محذوف والشيء عبارة عن الدّينار المذكور أو يقال إنّ المراد بقوله لا يباع أنّه لا يتحقّق البيع يعني لا يباع شيء بدينار أو لا يتحقّق بيع بشيء فيه غشّ لكنّ كلا الاحتمالين خلاف الظَّاهر مضافا إلى أنّ الظَّاهر أنّ حتّى لا يباع غاية للأمر بالإلقاء في البالوعة لا للقطيع ولازم ذلك أنّه لولا الإلقاء لأمكن تحقّق بيع في هذا الدّينار الشّخصيّ المقطوع نصفين والظَّاهر أنّ الدّينار الكذائي لا يجعلونه ثمنا بل يجعلونه مثمنا فتعيّن كون الجملة ابتدائيّة على هذه النّسخة فيكون مؤدّاها على النّسختين شيئا واحدا وهو عدم جواز بيع الدّينار المغشوش المنصّف بنصفين وكيف كان فهذه الرّواية المتضمّنة للجملة المذكورة ورواية الجعفي قال كنت عند أبي عبد الله عليه السّلام فألقي بين يديه دراهم فألقى إليّ درهما منها فقال أيش هذا فقلت ستوق فقال وما السّتوق فقلت طبقة من نحاس وطبقة من فضّة فقال اكسرها فإنّه لا يحلّ بيع هذا ولا إنفاقه تعارضهما جملة من الأخبار الدّالَّة على إنفاق الدّنانير والدّراهم المغشوشة إمّا مطلقا كرواية محمّد بن مسلم قال سألته عن الدّراهم المحمول عليها فقال لا بأس بإنفاقها وإمّا مقيّدا بالبيان كرواية ابن مسلم أيضا قال قلت لأبي عبد الله ع الرّجل يعمل الدّراهم ويحمل عليها النّحاس أو غيره ثمّ يبيعها قال إذا بيّن ذلك لا بأس أو مقيّدا بالجواز والرّواج بين النّاس كما في جملة من الرّوايات أو مقيّدا بتجاوز الفضّة الفضّة على الثّلاثين كما في رواية عمر بن يزيد أو بغلبتها كما في رواية معمّر بن يزيد ومرجع هذه إلى سابقتها ومفاد الجميع بعد رفع المعارضة بينها بعضها مع بعض بتقييد إطلاق الأوّل بالباقي والأخذ باعتبار البيان ورفع اليد عن مفهوم الشّرط بحمل الشّرط على كونه في مقام بيان أصل الإنفاق من دون نظر إلى كيفيّة الإنفاق أعني لزوم البيان هو جواز الإنفاق إذا كان جائزا بين النّاس فقيّد بها إطلاق الأوّليتين فيحملان على ما لا يجوز بين النّاس بعد الالتفات إلى حاله أي بما ليس بدينار ودرهم بل شيء جعل بصورتهما لأجل غشّ النّاس والظَّاهر أنّ السّتوق في الرّواية من هذا القبيل وهذا النّحو من الدّراهم والدّنانير لا يجيء منه بصورته الفعليّة إلَّا الفساد المحض فلا بدّ من إعدامه وإزالة الصّورة عنه أمّا الإلقاء في البالوعة بعد الكسر فلعلَّه من جهة عدم الماليّة لمادّته حتّى يصدق عليه التّضييع ونحوه ممّا لا يجوز شرعا قوله كنت أبيع السّابري ( 5 ) أقول السّابري معرّب شاپوري ثوب رقيق جيّد ينسب إلى شاپور الَّذي هو ملك من ملوك العجم من جهة كونه منسوجا باسمه أو من كونه من جهة جودته ونفاسته لائقا به كما يقال لبعض الألبسة والمنسوجات ناصريّ قوله وفي رواية الحلبي إلى آخره ( 6 ) أقول قد علم وجه دلالتها على الحرمة ممّا مرّ في رواية سعد الإسكاف فلا تغفل ولا يضرّ في الاستدلال التّعبير بلا يصلح فإنّه بنفسه وإن لم يكن له ظهور في الفساد إلَّا أنّ المراد منه بقرينة الأخبار الأخر والإجماع نفي الجواز فتأمّل لأنّ المقصود دلالتها في نفسه ومنه يعلم وجه دلالة روايته الأخرى ورواية ابن سرحان قوله أحسن له ( 7 ) خبر يكون واسمه أن يبلَّه والبيع في قوله ع إن كان بيعا مصدر بمعنى المفعول وضمير كان راجع إلى الطَّعام قوله وأمّا المزج والخلط بما لا يخفى فلا يحرم لعدم انصراف الغشّ إليه ( 8 ) أقول يعني به ما لا يخفى فعلا وحينئذ فإن أراد عدم حرمة المزج من حيث هو مجرّدا عن بيع الممزوج من شخص آخر فهو لما مرّ من أنّ الغشّ بهذا المعنى ليس موضوع الحرمة وإن أراد عدم حرمة بيع الممزوج فهو من حيث انتفاع الموضوع وهذا هو المراد من صحيحة ابن مسلم وذلك لما تقدّم أنّ الغشّ بالمعنى الَّذي هو موضوع الحرمة قد أخذ فيه استناد وقوع المغشوش عليه في خطر خلاف الواقع إلى الغاشّ وهو منتف في صورة المزج بما لا يخفى بل يظهر فعلا لا من جهة عدم انصراف المغشوش إليه قوله ويدلّ عليه ( 9 ) أقول ويعني يدلّ على عدم حرمة الخلط بما يظهر بالفعل ولا يخفى بعد عدم الدّليل على حرمته لقصور الأخبار المحرّمة عن الدّلالة على حرمته لأجل انصراف الغشّ أمران أحدهما قوله ع في صحيحة ابن مسلم إذا رويا جميعا فلا بأس والآخر بعض الأخبار المتقدّمة وهو خبر داود بن سرحان لاشتماله على قوله إلَّا أن تعلَّمهم وخبر الحلبي لاشتماله على قوله حتّى تبيّنه فإنّ مفادهما عدم الحرمة