أن يكون فعلا للمكلَّف وليس هو هنا إلَّا هو بالمعنى المصدري ويؤيّده التّعبير عن أخواته في المسائل السّابقة بالمصادر مثل التّدليس والتّزيين والتّصوير فما عن الرّوضة والرّياض من ضبطه بالكسر ليس في محلَّه وكيف كان فالغشّ بالكسر عبارة عن عدم الخلوص عمّا يرغب عنه وبالفتح عبارة عن عدم إخلاصه يقال كلام مغشوش ولبن مغشوش أي غير خالص عمّا ليس من سنخه وجنسه وغير ممحّض للنّصح ولا يعتبر في مفهومه لغة وعرفا مجهوليّة الواقع لعدم تفاوت صدقه في حالتي الخفاء والجلاء ولذا يتوارد عليه العلم والجهل ويقال علمت بالغشّ وجهلت به ودعوى تجريده عن قيد الخفاء حينئذ كما ترى ويعلم ذلك بمراجعة العرف فلا يصغى إلى ما في بعض الحواشي من اعتبار مجهوليّة الواقع في أصل حقيقته نعم يعتبر ذلك في الحرمة كما سيأتي ولا ينبغي الارتياب في أنّ موضوع الحرمة ليس الغشّ بهذا المعنى الَّذي ذكرناه لأنّ خلط اللَّبن بالماء مثلا لغرض من غير أن يدفعه إلى آخر غشّ ولذا يقال لبن مغشوش مع أنّه ليس بحرام وكذلك لو خلطه به لأن يشرب ثمّ بدا له أن يبيعه فباعه من دون الإعلام بالخلط حيث إنّه ما لم يرد البيع عليه ما فعل حراما وكان الخلط والمزج مباحا فلا بدّ أن يكون هذا الفعل السّابق على البيع بعده أيضا كذلك وإلَّا يلزم انقلاب الواقع عمّا هو عليه وإنّما الموضوع للحرمة هو إيقاع الغير في خطر مخالفة الواقع المقصود ويعبّر عنه في الفارسيّة - بگول زدن وفريب دادن - وهذا المعنى وإن لم يوضع له اللَّفظ لغة إلَّا أنّه لمّا كان المعنى اللَّغوي من جملة مقدّماته بالنّسبة إلى من أخذ المغشوش جاهلا بعدم خلوصه صحّ استعمال الغشّ فيه بطور الكناية وهذا المعنى هو المراد منه كلَّما نسب إلى مفعول عاقل شاعر مثل غشّ فلان زيدا ومن هذا القبيل الأخبار الواردة في المسألة لا معناه اللَّغوي ألا ترى أنّ أهل العرف ينفون الغشّ في غير المغرور ولا يطلقونه بمجرّد عدم الخلوص بدون المغروريّة وتراهم أيضا ينفونه عمّا لو كان المزج بما لا يخفى أو أخبره بمزج ما يخفى وهذا يدلّ على أنّ المراد منه في الموارد الَّتي ذكرنا الضّابط فيها ما يصحّ نفيه في الصّورة المذكورة وهو منحصر في إيقاع الغير في خطر مخالفة الواقع وهذا هو موضوع الحرمة والذّمّ والعقوبة وقد اعتبر في هذا المعنى من حيث المفهوم جهل المغشوش عليه بواقع الأمر وإلى هذا الشّرط يرجع اعتبار كون المزج بما يخفى بدعوى أنّ من اعتبر ذلك إنّما أراد ما ذكرناه من الجهل بطور الكناية لأجل الملازمة بينه وبين الجهل غالبا وإلَّا فلا وجه لاعتباره في صورة المزج بما لا يخفى شأنا فيما إذا اتّفق الجهل به ومن هنا ظهر الوجه في تقييد بعضهم له بقوله بما لا يخفى وأنّ مراده من ذلك الجهل بالواقع فيكون قرينة على كون المراد من الغشّ الَّذي هو موضوع الحرمة هو الإيقاع في الخطر إذ الجهل بالواقع من مقوّمات الغشّ بهذا المعنى فتأمل ثمّ إنّه قد أخذ في مفهومه أيضا استناد وقوع الغير في الضّرر والخطر إلى الغاشّ بمعنى أنّه لا بدّ في تحقّقه بالمعنى المصدري استناده إليه ونشوؤه منه ويكفي في ذلك مجرّد عدم بيان الواقع مع دفع المغشوش إلى الغير وإن صدر المزج مثلا من غير البائع الدّافع أو حصل من دون مباشرة أحد بل اتّفق قهرا وبالجملة لمّا كان الغشّ بالمعنى الَّذي هو موضوع الحرمة من الأمور التّوليديّة يكفي في إسناده إلى شخص استناد الجزء الأخير من العلَّة التّامّة إليه أعني عدم البيان فما يستفاد من بعض الحواشي من عدم صدق الغشّ فيما لو اتّفق المزج مثلا بفعل الغير أو بسبب من جانب الله تعالى وباعه شخص بدون البيان ليس في محلَّه ومن هنا يعلم أن بيع المعيب بدون البيان فيما لم يحصل العلم بالعيب نوعا غشّ ولو لم يكن العيب بفعله ولم يتعرّض لإظهار الكمال أو إخفاء العيب فتلخّص أنّ موضوع الحرمة هو إيقاع الغير في خطر مخالفة الواقع وقد اعتبر فيه جهل الغير بمغشوشيّة ما دفع إليه واستناده إلى الغاشّ ولعلَّه يمكن أن يقال إنّ الجهل معتبر في تحقّق ذاك الاستناد ثمّ إنّ المصنف احتمل في عروض الحرمة لذاك الموضوع اعتبار كون الغاشّ قاصدا لوقوع الغير في خلاف الواقع فلا يحرم بدونه وحكي القول به عن صاحب الرّياض والمستند في ذلك مضافا إلى الأصل مع دعوى اختصاص النّصوص بحكم التّبادر بصورة القصد هو رواية الحلبي قال سألت أبا عبد الله ع عن الرّجل يشتري طعاما فيكون أحسن وأنفق أن يبلَّه من غير أن يلتمس فيه زيادته فقال ع إن كان بيعا لا يصلحه إلَّا ذلك ولا ينفقه غيره من غير أن يلتمس زيادة فلا بأس وإن كان إنّما يغشّ به المسلمين فلا يصلح وجه الدّلالة أنّ المراد من الفقرة الأخيرة بمقتضى المقابلة أنّه إن كان يلتمس ويقصد ببلّ الطَّعام ما ينطبق عليه عنوان الغشّ وهو زيادة الطَّعام به في مورد الرّواية فلا يحلّ فتكون الحرمة معلَّقة على قصد الغشّ هذا ولكنّ الأقوى عدم اعتباره في حرمته أمّا لغة وعرفا فواضح ولذا لم يدّعه أحد وأمّا شرعا فلإطلاق الأدلَّة ودعوى انصرافها إلى صورة القصد في حيّز المنع ومع ذلك لا مجال للأصل وأمّا رواية الحلبي فهي أجنبيّة عن الدّلالة على اعتبار القصد في المقام وإنّما الغرض منها بيان ما هو مقدّمة الحرام وذلك لأنّه لا شبهة في أنّ بلّ الطَّعام ولو لالتماس الزّيادة ليس بغشّ وإنّما الغشّ هنا بيع الزّائد مع نقصه في الواقع بدون الإعلام وإلَّا يلزم كونه غشّا ولو بدا له ولم يبع وهو كما ترى وحينئذ يكون البلّ مقدّمة للغشّ كما أنّه مقدّمة للحسن والإنفاق فيكون السّؤال عن حال المقدّمة وإنّ بلّ الطَّعام لغرض الإنفاق لا لغرض تحقّق الغشّ وإن كان يترتب عليه الغشّ ببيع المبلول هل هو في حدّ نفسه مع قطع النّظر عن بيع المبلول جائز أم لا فأجاب ع أن بلّ الطَّعام جائز فيما لو لم يقصد به التّوصّل إلى الحرام وإلَّا فيكون البلّ حراما ولو اتّفق بعد ذلك عدم وجود الحرام واعتبار القصد في حرمة مقدّمة الحرام لا ربط له باعتباره في نفس الحرام < صفحة فارغة > [ التيمن بذكر الأخبار ] < / صفحة فارغة > قوله قدّس سرّه وفي عقاب الأعمال إلى آخره ( 1 ) أقول وجه الاستدلال بذلك على حرمة الغشّ أمّا بالفقرة الأولى فلأنّ موضع الدّلالة منها قوله ع فليس منّا بتقريب أنّ المراد منها نفي كون الغاشّ من المسلمين ولا يكون ذلك إلَّا لشدّة مبغوضيّته وحرمته وأمّا بالفقرة الثّانية فلأنّها وإن كان يتوهّم عدم دلالتها على المطلب بملاحظة أنّ ما يستفاد منه إنّما هو ترتّب