العامّة ممّا لا داعي إليه بل ينافيه قولهم بوجوب القضاء كفاية أو عينا على اختلاف الحالات لأنّ الولاية ليست من قبيل الأفعال فلا يتّصف بالوجوب وغيره من الأحكام وكذلك الكلام في لفظ الحاكم فإنّه من الحكم وهو كما بيّنّاه في كتابنا المذكور عبارة عن إخراج متعلَّقه عن التّردّد والاحتمال ومن الواضح أنّ هذين المفهومين لم يؤخذ فيهما نحو من أنحاء الولاية فضلا عن جميعها فتدبّر جيّدا أو يدّعي أنّ الولاية وإن لم تدخل في مفهومها إلَّا أنّ بعض الولايات كولاية الحاكم في غير مورد التّخاصم كما في الهلال والولاية على القصّر والأوقاف من شؤون القاضي ومن له الحكم في الخصومات ويكشف عن ذلك ثبوت هذه الولايات لقضاة الجور بزعمهم الفاسد وتصدّيهم به وأنها من شؤون القضاة عندهم كما لعلَّه يفصح عن ذلك خبر محمّد إسماعيل الآتي ذكره في المتن في ذيل البحث عن ولاية عدول المؤمنين قد مات رجل من أصحابنا ولم يوص فرفع أمره إلى قاضي الكوفة فصيّر عبد الحميد القيّم بماله الخبر حيث أنّه يدلّ على أنّ نصب القيّم على مال اليتيم شغل القاضي فإذا نصب الإمام الفقيه قاضيا يثبت له جميع شؤون القضاوة الَّتي منها ما ذكر وكون مورد أدلَّة النّصب هو التّنازع لا ينافي ذلك إذ مجرّد ذلك لا يوجب رفع اليد عن ظهور جعله قاضيا في ذلك ويؤيّده أنّ الإمام ع في مقام ردع الشّيعة عن التّحاكم إليهم وجعل راوي أحاديثهم والعارف بأحكامهم قاضيا في مقابلهم وقضيّة المقابلة أن يكون مثل القاضي المنصوب من قبل سلطان الجور في جميع ماله من الشّئون والوظائف مع أنّ الحكمة في النّصب إنّما هو رفع احتياج الشّيعة إلى قضاة الجور ولا يحصل ذلك إلَّا بما ذكر والحاصل أنّ كلَّما كان من شؤون قضاة الجور فهو ثابت للفقيه في زمان الغيبة والظَّاهر أنّ الولايات الثّلاث المذكورة وظيفة قاضي الجور كما هو المشاهد في عصرنا فتكون للفقيه أيضا وأمّا سائر الولايات والمناصب فالمرجع في تعيين أنّها من وظائف قضاتهم حتّى يكون لقضاتنا أيضا أم لا هو الرّجوع إليهم وتتبّع السّير والتّواريخ ويمكن الخدشة في هذه الدّعوى بأنّها وإن كانت من شؤون القاضي عند العامّة بلا كلام فيه إلَّا أنّ الكلام في وجه ذلك فإن كان من جهة دخولها في مفهومه ففيه أنّ مرجعه إلى الدّعوى الأولى وقد مرّ الكلام فيه وإن كان من جهة كونها من لوازم مفهوم القضاء وإنهاء أمر الخصومة عقلا أو عادة ففيه منع واضح للقطع بعدم الملازمة بينهما كذلك وإن كان من جهة جعل الجاعل وإعطائه هذه الولايات لمن جعل له ولاية القضاء ففيه أنّه أمر ممكن إلَّا أنّه لا بدّ في الحكم بوقوعه في الشّرع من دليل يدلّ عليه وهو منتف ضرورة أنّ دليل نصب القاضي لا يدلّ إلَّا على إعطاء منصب القضاء وقد مرّ أنّه لا ملازمة بينه وبين سائر المناصب والولايات كي يدلّ عليه بالالتزام ومجرّد ثبوت شؤون آخر لمن له القضاوة بواسطة جعل سلاطينهم لا يوجب ثبوتها لقاضي الإمام ع بواسطة جعله والمقابلة بين الأمرين إنّما تقتضي المساواة بينهما فيما كانت المقابلة فيه لا مطلقا وهو في المقام في أحد المتقابلين أعني قاضي الجور جهة القضاوة خاصّة لا هي بتمام شؤونها ولا أقلّ من الشّك وهو كاف ومن هنا ظهر الحال في مسألة الحكمة فإنّها رفع الاحتياج إليهم في جهة القضاء فقط لعدم احتياجهم إليهم في سائر الجهات مثل الولايات الثّلاث المتقدّم ذكرها لثبوتها لكلّ واحد من عدول المؤمنين فقد تحصّل من جميع ما ذكرنا هنا وفي الحواشي المتقدّمة أنّه لا دليل على ولاية الفقيه على الوجه الأوّل في شيء إلَّا القضاء فتدبّر قوله كالضّابط لها ( 1 ) أقول يعني لولايته على الوجه الثّاني قوله وإن لم يعلم ذلك واحتمل إلخ ( 2 ) أقول سياق هذا الكلام يقتضي التّعرّض لصورة العلم باشتراط نظر الإمام ع في وجود ما علم بإرادة وجوده بأن يقول كلّ معروف علم من الشّارع إرادة وجوده مطلقا غير مشروط بنظر الإمام ع أو مشروط بنظره ع في وجوده أو وجوبه فلا إشكال في شيء من ذلك فكلّ مكلَّف بذاك التّكليف سواء كان شخصا خاصّا أو صنفا خاصّا أو كلّ من يقدر عليه يجب عليه إقامة ذاك المعروف في الصّورة الأولى من دون لزوم الرّجوع إلى الإمام ع وفي الثّانية بالرّجوع إليه ع ولا يجب عليه ذلك في الصّورة الثّالثة إلَّا بعد حصول شرطه وهو نظر الفقيه وإن لم يعلم ذلك واحتمل اعتبار نظر الفقيه أمّا في صحّته ووجوده وأمّا في وجوبه فإن كان هناك إطلاق أو عموم يزيل الشّكّ فهو المرجع وإلَّا ففي كلّ واحد منهما صورتان لأنّ ذاك المعروف إمّا أن يكون من الأمور الوضعيّة مثل البيع والشّراء وإمّا أن يكون من غيرها كالصّلاة على الميّت فمع الشّك في اعتبار نظره في الصّحّة والوجود يجب الرّجوع إليه في الصّورة الأولى لأصالة عدم ترتّب الأثر بدونه بعد العلم بوجوبه مطلقا دون الصّورة الثّانية لأصالة البراءة عن المشكوك في الشّكّ في الأجزاء والشّرائط على التّحقيق ومنه المقام ومع الشّكّ في اعتباره في الوجوب فلا ريب في عدم الوجوب لأصالة البراءة وإن أراد إقامته ففي الصّورة الأولى يجوز له ذلك تكليفا وإن احتمل حرمته كذلك لأصالة الإباحة ويجب الرّجوع إليه وضعا لما مرّ من أصالة عدم ترتّب الأثر وأمّا في الصّورة الثّانية فإن كان من قبيل العبادة المحتاجة إلى القربة فإن أتاه بعنوان الرّجاء يجوز للأصل وإلَّا يحرم لأجل التّشريع وإن كان من غيرها فيجوز للأصل وكيف كان فقد ظهر أنّ ما ذكره من وجوب الرّجوع إلى الإمام ع فيما إذا شكّ في اعتبار إذنه في وجود المعروف ليس على إطلاقه بل مراده خصوص ما إذا كان المعروف من الأمور الوضعيّة وأراد القيام به إذ قد عرفت أنّ قضيّة أصالة الإباحة والبراءة عدم وجوب الرّجوع إليه لو كان من غير الوضعيّات وعلى أيّ حال فالضّابط فيما يجب على الغير فيه الرّجوع إلى الإمام ع هو كلّ معروف يريد الشّارع وجوده في الخارج مع العلم بكون نظره ع شرطا