وأمّا الباء في بصحيحه وبفاسده فقد يقال إنّها بمعنى في بل حكي التّصريح به عن العلَّامة قدّس سرّه في بعض عبائره وفيه أنّه وإن كان معه يصحّ المعنى إلَّا أنّه خلاف الظَّاهر فالظَّاهر أنّها للسّببيّة لا بملاحظة أنّ العقد الصّحيح سبب تامّ لسبب الضّمان وهو القبض وإثبات اليد ومقتض له فكأنّه السّبب له لأنّه خلاف الظَّاهر أيضا إذ الظَّاهر سببيّته له بلا واسطة بل بملاحظة تضمّنه لما هو جزء العلَّة التّامّة للضّمان أعني عدم المانع من تأثير اليد في الضّمان لأنّ علَّة الضّمان فيه مركَّبة من أمرين أحدهما اليد إذ التّحقيق عمومها لليد المأذونة أيضا والآخر عدم المانع عن تأثير اليد فيه وهو المجانيّة والعقد الصّحيح في أصل القاعدة أنّما هو متضمّن لعدم المجّانيّة وهو قائم به فتعليل الضّمان فيه بالعقد الصّحيح إنّما هو من قبيل تعليل الشّيء بعدم المانع وهو أمر شائع فيكون المعنى أنّ كلّ عقد يكون صحيحه سببا لتحقّق عدم المانع عن حدوث الضّمان لأجل اليد وتأثير اليد والقبض فيه يكون فاسده أيضا سببا له ومن هنا يعلم أنّ مورد القاعدة هو صورة القبض وهو قضيّة تعليل الشّيخ إيّاها بالإقدام على الضّمان على ما نبيّنه إن شاء الله وحينئذ لا يبقى مجال لنقض القاعدة بمثل البيع قبل القبض حيث إنّ البيع الصّحيح سبب لضمان البائع للمبيع قبل قبضه للمشتري بخلاف البيع الفاسد وذلك لأنّه خارج عن القاعدة لاختصاص موردها بصورة القبض ومن الكلام في مفردات أصل القاعدة يعلم الحال في عكس القاعدة بل الأمر فيه في توجيه سببيّة الباء أوضح أمّا الموضع الثّاني فالمدرك في أصل القاعدة أمّا في غير عمل الحرّ المسلم فهو حديث على اليد وتوهّم عدم شموله للمنفعة مدفوع بما يأتي إن شاء الله وأمّا بالنّسبة إليه فهو احترام عمله والاستيفاء فيما إذا استوفاه المستأجر بالإجارة الفاسدة وأمّا إذا لم يستوفيه فلا ضمان فيه وإن كان يضمن له في الإجارة الصّحيحة فيكون هذا من موارد النّقض لأصل القاعدة وسيأتي الكلام فيه في الموضع الثّالث إن شاء الله وأمّا مدرك العكس فقد يتوهّم أنّه أدلَّة الأمانات بل هو صريح المصنّف قدّس سرّه ولكنّها لا تصلح له لأنّ الأمانة إمّا مالكيّة وإمّا شرعيّة ويعتبر في الأولى أمور ثلاثة الأوّل رضا المالك بكون ماله تحت يد الغير رضا واقعيّا لا ظاهريّا ناشئا من البناء على حصول أمر غير واقع جهلا أو تشريعا والثّاني أن يكون الرّضا به مجّانا غير ملحوظ فيه العوض والثّالث أن يكون الرّضا به ناشئا عن اختياره لا عن حقّ لازم للمأذون على الإذن كما في العين المستأجرة حيث إنّ رضا المؤجر بكونها في يد المستأجر إنّما هو لتوقّف استيفاء حقّه عليه ويعتبر في الثّانية أن لا يلاحظ في قبض مال الغير إلَّا جهة ذاك الغير ولا ريب في عدم اجتماع الأمور المذكورة في محلّ الكلام بالنّسبة إلى العقود الفاسدة المتضمّنة للتّمليك المجّاني حيث إنّ القبض فيه ليس بلحاظ صرف حفظ مال المالك بل من جهة أنّه صار بالعقد مال القابض ولذا لم يدّع أحد كونه أمانة شرعيّة ورضا المالك بكونه في يد القابض ليس واقعيّا بل ظاهريّ نشأ من بنائه على حصول الملكيّة له بذاك العقد الفاسد إمّا جهلا أو تشريعا مضافا إلى عدم المجّانيّة هنا فتأمل فالمقام خارج عن أدلَّة الأمانة الشّرعيّة والمالكيّة وحينئذ لا مدرك للقضيّة السّالبة فلا بدّ من الرّجوع إلى قاعدة اليد وسائر أدلَّة الضّمان في مواردها من العقود الفاسدة المجّانيّة هذا بناء على كون المراد من عكس القاعدة اقتضاء الصّحيح والفاسد العدم ولو بمعنى المنع عن تأثير سبب الضّمان كاليد فيه وأمّا بناء على أن يكون مفادها صرف نفي الاقتضاء بالنّسبة إلى ثبوت الضّمان فلا حاجة له إلى المدرك ولا يبقى مجال للنّقض عليه لكن الظَّاهر عند الأصحاب هو الأوّل بل صرّح بذلك المصنّف قدّس سرّه في كتاب الغصب في عبارته الَّتي تقدّم نقلها في بحث الرّشوة على الحكم حيث إنّه ره في ذيل الكلام في ضمان الهدية الملحقة بالرّشوة قال نعم قد يتحقّق عدم الضّمان في بعض المعاوضات بالنّسبة إلى غير العوض كما أنّ العين المستأجرة غير مضمونة في يد المستأجر بالإجارة فربّما يدّعى أنّها غير مضمونة إذا قبضت بالإجارة الفاسدة لكن هذا كلام آخر ثمّ قال متّصلا به كما في بعض النّسخ المصحّحة ما هذا لفظه قد ثبت فساده بما ذكرناه في باب الغصب من أنّ المراد بما لا يضمن بصحيحه أن يكون عدم الضّمان مستندا إلى نفس العقد الصّحيح لمكان الباء وعدم ضمان العين المستأجرة ليس مستندا إلى الإجارة الصّحيحة بل إلى قاعدة الأمانة المالكيّة والشّرعيّة لكون التّصرّف في العين مقدّمة لاستيفاء المنفعة مأذونا فيه شرعا فلا يترتّب عليه الضّمان بخلاف الإجارة الفاسدة فإنّ الإذن الشّرعي فيها مفقود والإذن المالكي غير مثمر لكونه تبعيّا ولكونه لمصلحة القابض فتأمّل انتهى كلامه علا مقامه وأمّا الاستناد إلى الأولويّة في العكس فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى فتدبّر وأمّا الموضع الثّالث وهو موارد النّقض على القاعدة أصلا وعكسا فنشرح الكلام فيه تفصيلا في ضمن الحواشي الَّتي نعلَّقها على تلك الموارد بعد ذلك واحدا بعد واحد إن شاء الله فانتظر قوله قدّس سرّه إلَّا أنّها يظهر من كلمات الشّيخ قدّس سرّه إلى آخره ( 1 ) أقول في استظهار القاعدة من تعليل الشّيخ قدّس سرّه نظر أمّا بناء على إنشائيّة القاعدة وأنّ العقد بنفسه سبب الضّمان ومقتض له مثل الإتلاف فلأنّ قضيّة تعليل الشّيخ ره سببيّة الإقدام له وأين هذا من سببيّة نفس فساد العقد له في مورد ثبوته في الصّحيح وليس هذا إلَّا من باب استظهار أحد المتقابلين من الآخر وأمّا بناء على إخباريّتها وأنّ مفادها الإخبار عن أنّ ما هو سبب الضّمان في الصّحيح فهو بعينه موجود في الفاسد المماثل له من جميع الجهات إلَّا جهة الصّحّة والفساد فلمثل ما مرّ فتأمل ثمّ إنّه قد يستشكل على الشّيخ بأنّ الإقدام على الضّمان ليس بنفسه علَّة للضّمان كما سيصرّح به المصنّف عند تكلَّمه في مدرك القاعدة ويندفع بأنّ استدلاله به ليس لأجل أنّه علَّة له بل لأجل أنّه ليس بمانع عن تأثير المقتضي وهو القبض كما هو مورد كلامه في جميع الموارد الَّتي استدلّ فيها على ثبوت الضّمان مع فساد العقد ولذا أضاف المصنّف إليه لفظ القبض في شرح كلامه وقال وحاصله أنّ القبض مقدما على ضمانه إلى آخره فتعليله الضّمان بالإقدام عليه من قبيل تعليل الشّيء بعدم المانع عن تأثير