والعرف من شرائط فعليّة الخطاب المتأخّرة عن مرتبة الإنشاء المدلول عليها بالإطلاقات فتأمّل وافهم هذا ولكن يمكن أن يقال بأنّ ما ذكرت مبنيّ على شرطيّة القدرة على الامتثال إلَّا أنّه يمكن منع ذلك ودعوى مانعيّة العجز وعليه لا بدّ من الفحص إلَّا فيما إذا علم العجز قبله فتدبّر بقي الكلام في الاستدلال عليه بما أشار إليه بقوله مضافا إلى الأمر به في الدّين المجهول المالك من صحيح معاوية المرويّ في الفقيه عن أبي عبد الله ع في رجل كان له على رجل حقّ ففقده ولا يدري أين يطلب ولا يدري أحيّ هو أم ميّت ولا يعرف له وارثا ولا نسبا ولا ولدا قال ع اطلب قال إن ذلك قد طال فأتصدّق به قال ع اطلب قال في الفقيه وروي في هذا خبر آخر إن لم تجد وارثا وعلم الله منك الجهد فتصدّق به لعلَّه أراد بذلك ما رواه في الوسائل في كتاب الوصيّة بسنده عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن أحمد عن أيّوب بن نوح عن العبّاس بن عامر قال سألته عن رجل أوصى له بوصيّة قبل أن يقبضها ولم يترك عقبا قال اطلب له وارثا أو مولى فادفعها إليه قلت فإن لم أعلم له وليّا قال اجهد على أن تقدر له على وليّ فإن لم تجد وعلم الله منك الجدّ فتصدّق بها بناء على أنّ مورده والمشار إليه بهذا هو مثل الرّواية الأولى فتأمّل ورواية هشام بن سالم قال سأل خطَّاب الأعور أبا إبراهيم ع وأنا جالس فقال إنّه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالأجرة ففقدناه وبقي من أجره شيء ولا يعرف له وارث قال فاطلبوه قال قد طلبناه ولم نجده قال فقال مساكين وحرّك يده فأعاد عليه قال اطلب واجهد فإن قدرت عليه وإلَّا فهو كسبيل مالك حتّى يجيء له طالب الحديث بناء على كون موردها من قبيل الدّين في ذمّة المستأجر وأمّا ما كان من قبيل العين بأن قبض أجرته ووضعها عنده كما قد يتّفق ويؤيّده قوله فهو كسبيل مالك فهو عين مورد المسألة فنقول أمّا الأوّل فمورده صورة اليأس عن معرفة المالك والوصول إليه كما يدلّ عليه مضافا إلى صدره قوله إنّ ذلك قد طال فإنّ الظَّاهر منه اليأس أيضا وبعد عدم الفرق بين العين والدّين يتحقّق التّعارض بينه وبين مصحّحة يونس الآتية الحاكمة بالتّصدّق في الصّورة المفروضة وهي صورة عدم معرفة طريق الفحص عن المالك والتّرجيح للمصحّحة ضرورة عدم وجوب الفحص مع اليأس فلا بدّ من حمله على الاستحباب وأمّا الثّاني فمن المحتمل بل الظَّاهر من جهة قوله ابتداء ولم تجد وارثا أنّ مورده من قبيل المال الَّذي مات صاحبه ولا وارث له وهو للإمام ع ولذا أمر بالتّصدّق هنا وأذن في تصرّف من بيده المال فيه كيف شاء وأراد في خبر هشام بن سالم قال سأل حفص الأعور أبا عبد الله ع وأنا حاضر فقال كان لأبي أجير وكان له عنده شيء فهلك الأجير فلم يدع وارثا ولا قرابة وقد ضقت بذلك كيف أصنع قال رأيك المساكين رأيك المساكين فقلت إني ضقت بذلك ذرعا قال هو كسبيل مالك فإن جاء طالب أعطيته حيث إنّ جعله مثل ماله إذن في التّصرّف كما لا يخفى على المتتبّع في أخبار اللَّقطة بل جعل ذلك بعض على الظَّاهر كناية عن الملكيّة غاية الأمر متزلزلة قابلة للزّوال بمطالبة المالك ولا فرق فيما هو المهمّ هنا بين أن يكون مورده من قبيل العين على ما هو الظَّاهر أو الدّين كما هو المحتمل وأمّا الثّالث فمن الممكن أن يقال إنّ مورده ما كان المالك معلوما عند الدّائن غاية الأمر لا يدري مكانه وأنّه حيّ أو ميّت ووجوب التّفحّص هناك لا يلازم وجوبه في المقام ومن هنا ظهر جواب آخر عن الرّواية الأولى وهو واضح وبالجملة لا دليل على وجوب الفحص والتّعريف في مطلق مجهول المالك حتّى فيما لم يكن من قبيل اللَّقطة فالمرجع أصالة البراءة مضافا إلى ما يصحّ الاستدلال به على عدم الوجوب من إطلاق غير واحد من الأخبار الآتية الآمرة بالتّصدّق في مجهول المالك غير اللَّقطة وعدم تقيّده بكونه بعد الفحص والتّعريف وتقييده به مضافا إلى أنّه بلا دليل في غاية البعد سيّما ما ورد في بعض عمّال بني أميّة الوارد في مقام بيان التّكليف الفعلي بحيث لو تمّت دلالة الأدلَّة المتقدمة فالتّصرّف فيها بالحمل على الاستحباب أسهل من تقييده وحمله على صورة اليأس عن الوصول إلى المالك أبعد من ذلك فالأقوى عدم وجوب الفحص إلَّا أنّهم لا يلتزمون بذلك على الظَّاهر فلا يترك الاحتياط مهما أمكن بالتّعريف في الجملة ولو في خصوص مظانّه القريبة القويّة وأحوط منه التّعريف إلى اليأس قوله ثمّ لو ادّعاه مدّع ففي سماع قول من يدّعيه مطلقا لأنّه لا معارض له ( 1 ) أقول كون المقام من صغريات قاعدة المدّعي بلا معارض ممنوع لأنّ دليلها منحصر برواية منصور بن حازم قال قلت للصّادق ع عشرة كانوا جلوسا ووسطهم كيس فيه ألف درهم فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس فقالوا كلَّهم لا فقال واحد منهم هو لي قال ع هو للَّذي ادّعاه الخبر ودلالتها مبنيّة على كون الحكم للواحد المدّعي لصرف الدّعوى لا لأجل اليد كما أشار إليه في السّرائر لأنّ توسّط الكيس بينهم أوجب صدق اليد عليه لهم جميعا فإذا نفى كلَّهم ذلك عن نفسه إلَّا واحدا منهم تختصّ اليد به ولذا لو ادّعاه غيرهم وأنكروه كان هو المدّعي وعليه البيّنة دونهم ولا وجه لذلك إلَّا كونهم ذوي أيد عليه وعلى هذا يكون موردها مختصّا بما لا يد لأحد عليه وإن نفاه عن نفسه وأثبته لمالك مجهول ولذا صرّحوا في اللَّقطة على ما حكي بعدم التّسليم الملتقط إيّاها لمن يدّعيها بمجرّد الدّعوى بل يمكن منع انطباق عنوان القاعدة على المقام مضافا إلى منع شمول دليلها كما مرّ بتقريب أنّ ذا اليد على هذا المال المجهول المالك من جهة تكليفه بإيصاله إلى المالك أو التّصدّق معارض لمن يدّعيها بحسب الوظيفة وأوضح من ذلك لو قلنا بجواز تملَّك مجهول المالك فتأمّل جيّدا قوله ويحتمل غير بعيد إلى آخره ( 2 ) أقول قد مرّ تقوية هذا الاحتمال لما ذكره من إطلاق غير واحد من الأخبار الآمرة بالتّصدّق في مجهول المالك الَّذي منه المقام وعدم التّقييد بكونه بعد الفحص والتّعريف قوله ثمّ إنّ المناط صدق الاشتغال بالفحص إلى آخره ( 3 ) أقول غرضه من ذلك بقرينة التّنظير بيان عدم اعتبار التّوالي والاكتفاء بما يكتفى به في اللَّقطة من الفحص المتعارف بمعنى كونه على نحو لا يقال في العرف إنّه متوان في إيصاله إلى المالك بل يعدّ مجدّا وساعيا فيه وكون التّعريف ثابتا في اللَّقطة بدليل لفظي