قصد الأمر هذا النّحو فينافيه أخذ الأجرة وإمّا إلى قصد الخضوع فلا ينافيه على ما مرّ بيانه فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ أخذ الأجرة لا ينافي العباديّة بناء على المختار فيها من كون المحرّك إلى العمل تعلَّق غرضه بتحقّق الخضوع به وينافيها بناء على المعروف المشهور من كون المحرّك إليه هو الجهة الإلهيّة أيّا ما كان فظهر بحمد الله تعالى أنّه لا مانع من أخذ الأجرة على الواجبات من تلك الجهة وكذلك المستحبّات هنا وكذا فيما إذا لم يكن الواجب المستأجر عليه واجبا على الأجير بل على غيره المسمّى بالنّيابة إذ الدّليل في عدم جوازه منحصر في منافاتها للعباديّة وقد تقدّم عدم منافاتها لها على المختار وظهر أيضا وجه الصّحة في عبادات المأمورين بالمعروف فيما إذا تحقّق بسبب الأمر بالمعروف كون الخضوع غرضا لهم نعم لو لم يتحقّق ذلك به بل إنما يأتون صرف صورة العبادة بدون تعلَّق غرضهم بتحقّق الخضوع بفعلهم كما كان الأمر كذلك في المنافقين في زمن النّبيّ ص فالعبادة باطلة ولا بأس بالالتزام به حينئذ فإن قلت بناء على ما اخترت في آخر الأمر يلزم صحّة العبادة الرّيائيّة وليس كذلك قلت بطلانها فيما إذا كان الأمر فيها كما ذكرنا بأن كانت العبادة والخضوع للمولى غرضا للفاعل بواسطة الرّياء بعد أن لم يكن كذلك على تقدير تسليمه ليس على طبق القاعدة وإنما هو لأجل الأخبار الخاصّة فلا يرد علينا مع أنّ بطلانها في المورد المذكور لما ذكر ممّا يمكن منعه نظرا إلى أنّ مفاد الأخبار ليس أزيد ممّا كان الرّياء تمام الغرض أو بعضه على نحو يكون هو مع الخضوع في عرض واحد الَّذي عبّر عنه في جملة من الأخبار بالشّركة لا ما كان الخضوع تمام الغرض والرّياء إنما جعله متعلَّقا للغرض بعد أن لم يكن كذلك ولكن القول بالبطلان أحوط وتفصيل الكلام موكول إلى باب الوضوء هذا تمام الكلام في الدّليل الأوّل وأمّا الثّاني أعني ما يختصّ بخصوص الواجب العيني التّعييني فهو ما ذكره المصنف قدّس سرّه ومحصّله أنّ المكلَّف مقهور على إتيان ذلك من جانب الشّارع وأخذ الأجرة على مثل ذلك أكل للمال بلا عوض ومجّانا وهو أكل للمال بالباطل فلا يجوز بنصّ الآية الشّريفة ويتّجه عليه أنّه إن أريد من المجّانيّة أنّ الواجب المقهور عليه الأجير من غير جهة الإجارة لا يفي بغرض المستأجر ولا ينتفع به ولا يتعلَّق به غرضه ففيه منع واضح ضرورة تعلَّق غرض العقلاء بإتيان المكلَّف مثل ابنه أو صديقه بل وغيره أيضا بواجباته العينيّة وحصولها بإتيانه كالمريض يتعلَّق غرضه ببيان الطَّبيب للدّواء وكالمترافعين يتعلَّق غرضهما بقطع القاضي للخصومة بينهما وينتفعان بقضائه من دون فرق بين وجوبه عليه عينا أو كفاية وإن أريد أنّه وإن كان يفي بغرضه إلَّا أنّه لا يكفي مجرّد ذلك في صحّة الإجارة بل لا بدّ فيها مضافا إلى ذلك من عدم مقهوريّته عليه شرعا وإن أريد التّنافي الذّاتي بين مملوكيّة فعل للَّه تعالى المستكشف من المقهوريّة وبين أخذ العوض ففيه ما سيأتي مع منع التّنافي بينهما ففيه أنّه عين المدّعى والاستدلال عليه بالآية دوريّ لا يجوز وإن أريد أنّ الواجب المقهور عليه المكلف يوجده المكلَّف فيختلّ رابع شروط صحّة الإجارة الموجب لكون المعاملة سفهيّة ففيه أنّه خلاف الوجدان إذ قد يطيعه ويوجده وقد يعصيه ولا يوجده نعم في ظرف تعلَّق إرادته بإيجاده لا تصحّ الإجارة للسّفهيّة ولا فرق في هذه الصّورة بين وجوبه وعدم وجوبه فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ جواز أخذ الأجرة للأمّ على الإرضاع فيما لو وجب عينا لعدم وجود مرضعة أخرى كما يقتضيه عموم قوله تعالى * ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) * وكذا جوازه لمن تولَّى مال اليتيم على تولية المدلول عليه بما ورد فيه إنما هو على طبق القاعدة لوجود المقتضي وهو واضح وعدم المانع لما عرفت فلا حاجة إلى التّصرّف والتّأويل بما ذكره المصنف ره وأمّا ما استشهد به على مرامه بقوله وممّا يشهد بما ذكرنا أنه لو فرض إلى آخره ففيه مضافا إلى أنّه لو تمّ لجرى في الواجب الكفائي أيضا بأن أمر بعض عبيده بنحو الكفاية بفعل لغرض إلى آخر ما ذكره وهو لا يقول بالحرمة فيه أنّه لا يتمّ إلَّا فيما إذا أراد المأمور إتيان المأمور به وكان بصدد امتثاله ونحن نقول بالحرمة من جهة عدم الإجارة بلحاظ سفهيّة الإجارة لا يقال يعتبر في صحّة الإجارة مضافا إلى ما تقدّم أن يكون متعلَّقها عملا للمستأجر وشغلا له لا للأجير بحيث يقال إنّ الأجير يشتغل بشغل المستأجر وعمله لا بشغله وعمله وبالتّعبير الفارسي يقال : أجير براي غير كار ميكند نه براي خودش والوجه في اعتبار ذلك أنّ الإجارة من المعاملات العرفيّة وقد أمضاها الشّارع والعرف لا يساعد على صحّة أخذ الإنسان الأجرة على عمله لنفسه ويأبون عن التّعبير عمّا يقابله بالأجرة والعوض ويتحاشون عن أن يقول أحد أعمل عملي وآخذ أجرته عن غيري ويرونه مثل أن يقول أصرف مالي لنفسي وآخذ ثمنه من غيري وبعد عدم مساعدة العرف لا يبقى ما يدلّ على الصحّة لأنّ أدلَّة المعاملات كلَّها منزّلة على المعاملات العرفيّة وإمضاء لها وليس هنا دليل تعبدي يدلّ على الصّحة غير أدلَّة الإجارة فيبقى المال في ملك المستأجر فيحرم على الأجير أخذه والتّصرّف فيه وهذا هو السّرّ في كونه أكلا للمال بالباطل وعلى هذا لا فرق بين أقسام الوجوب مع كون المأتيّ به عملا للأجير وتخصيص المصنف قدّس سرّه صدق الآية بخصوص الواجب العيني التّعييني لا وجه له لأنّا نقول أوّلا إنّه لو سلَّمنا ما ذكرته من الشّرط فهو أجنبيّ عن محلّ البحث لأنّ البحث إنما هو فيما لو لم يكن واجبا لجاز أخذ الأجرة فهل الاتّصاف بالوجوب مثل عدمه حتّى يجوز أم لا حتّى لا يجوز وقضيّة ما ذكرت عدم جواز الإجارة مع فرض استحبابه أيضا إذ لا فرق في كون عمل عملا للأجير المانع من أخذ الأجرة عليه من الغير الوافي بفرضه بين وجوبه واستحبابه بل وإباحته أيضا كبناء الدّار وشرب الماء وبالجملة المقصود أنّ الوجوب بما هو لا يمنع عن الجواز لو لم يكن هناك مانع آخر إلَّا أن يقال نعم الوجوب لا يمنع عن الجواز إلَّا أنّه ملازم لفقدان الشّرط وهو ما تقدّم من صرف العمل لباذل الأجرة وجعله له لا لنفسه بحيث يقال إنّه يأتي بشغله لا شغل نفسه ويقضي حاجته لا حاجة نفسه الَّذي قلنا إنّ العرف لا يساعد على كونه من الإجارة فيصحّ أن يقال بذلك اللَّحاظ أنّه لا يجوز أخذ الأجرة على الواجب وثانيا لا نسلَّم اعتبار الشّرط المذكور ونمنع مساعدة العرف على اعتباره والشّاهد عليه إطلاق الأجرة على ما يأخذه في مقابل القضاء في رواية عمّار المتقدّمة في الرّشوة فتأمّل وفي مقابل الأذان الظَّاهر في الإعلامي وفي مقابل الصّلاة الأوّل