الدّاعي له إليه محبّة المولى لذاك الفعل المنكشف بالأمر لما تحقّق العبادة حاشا ثمّ حاشا وإلَّا يلزم الالتزام بما لا يمكن الالتزام به من بطلان عبادة الأمير ع حيث كان الدّاعي له إلى العبادة بنصّ قوله ع بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك هو أهليته تعالى للعبادة حيث إنّ المستفاد منه أنّ الأهليّة علَّة مستقلَّة للعبادة وأن فرض انتفاء الأمر هناك وبعبارة أخرى أنا نقول إنّ المعتبر في صحّة العبادة أن يكون المحرّك التّامّ إلى إرادة صدور ذات الفعل هو خصوص ملاحظة المولى خاصّة أمّا صرف ذاته وهو أعلى المراتب ولا يصل إليه إلَّا مثل أمير المؤمنين وأبناؤه المعصومين عليهم الصّلاة والسّلام أجمعين وأمّا فعل من أفعاله وصفة من صفاته وشأن من شؤونه كان المولويّة والعظمة والقدرة والخلقة والإحياء والإماتة والرّزق وإدخال الجنّة والإنجاء من النّار وحينئذ إمّا أن يكون الملحوظ في نظر العامل هو صرف طبيعة الصّفة كالرّزق مثلا من دون لحاظ تعلَّقه به وإضافته إلى نفسه فهو أوسط المراتب وإن كان الملحوظ هو الصّفة ولكن بعنوان إضافتها إليه فهو أدنى المراتب وعلى أيّ حال فداعويّة الأمور المذكورة إلى الفعل ليست أمرا آخر وراء داعويّة المولى وكونه هو العلَّة التّامّة ألا ترى أنّك لو مدحت شخصا أحسن إليك أو دفع عنك شرّ العدوّ لأجل صرف الإحسان أو لدفع الشّر من دون لحاظ شيء آخر صحّ تعليل المدح المذكور بالشّخص المزبور بأن يقال إنّ العلَّة لهذا المدح هو ذاك الشّخص ومن هنا نقول بصحّة العبادة لمجرّد الثّواب أو التّخلَّص من العقاب أو لسعة الرّزق أو لغير ذلك من الأمور الدّنيويّة والأخرويّة ولو لم يقصد أهليّة المولى ولا أمره أصلا والدّليل عليه قول الأمير ع ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنّتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك إذ المستفاد من ذلك أنّ الأمور الثّلاثة المذكورة من حيث الدّاعويّة إلى العبادة في عرض واحد وكذا ما رواه الكليني عن أبي عبد الله ع قال العباد ثلاثة قوم عبدوا الله عزّ وجلّ خوفا فتلك عبادة العبد وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثّواب فتلك عبادة الأجراء وقوم عبدوا الله حبّا فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة لأنّ قوله ع وهي أفضل العبادة نصّ في فضل العبادة لأجل الثّواب ودفع العقاب فضلا عن صحّتها وقد عرفت أنّ علَّته أهليّته تعالى وكذا حبّه عزّ وجلّ لا يتوقّف على وجود أمر فكذا الباقي وإنما المحتاج إليه هو آلة العبادة وإحراز ما يتعبّد به وتمييزه عن غيره فبعد إحراز ذلك ولو بالأمر به لا حاجة في عباديّة العبادة إلَّا إلى إتيانه لأجل المولى بنحو من الأنحاء الرّاجعة إليه وإن لم يلتفت حين الإتيان بالعمل إلى الأمر فضلا عن أن يكون داعيا إلى العمل فإن قلت هذا الَّذي ذكرت لا يتمشّى فيما تنتهي الغاية الأخيرة إلى لحاظ غير المولى كمثال من يصلَّي لأجل الولد لأجل أن يوجره لتحصيل الأجرة من المستأجر قلت هذا أيضا راجع إلى طلب الأجرة منه تعالى ولكن بتلك الواسطة فهو في الحقيقة يصلَّي لأجل أن يعطيه الله من أموال الغير بهذه الوسيلة فتأمّل فعلم ممّا ذكرنا أنّ المعتبر في عباديّة العبادة هو استناد إتيانها إلى خصوص ما يرجع إليه تعالى بحيث لو لوحظ فيه غيره كالأجرة مثلا لفاتت ولا يمكن تصحيحه بمسألة الدّاعي إلى الدّاعي بل التّلفظ بها والتّشبّث إليها أشبه شيء بتشبّث الغريق بلحيته فتأمّل تفهم فإن قلت على ما ذكرت يلزم بطلان عبادة المأمورين بالمعروف والمجبورين عليه فيما إذا كان من قبيل العبادة وكان داعيهم إلى العمل هو الخوف من الأمر بصيغة الفاعل والتّخلَّص عمّا يرد عليهم لولا العمل من اللَّوم والضّرب ولا يمكن الالتزام به إذ لازمه لغويّة أدلَّة الأمر بالمعروف وهو ظاهر قلت إنما يرد هذا على من اعتبر في عباديّة العبادة صدوره عن داع إلهي واستناده إليه تمام الاستناد لا علينا لأنّا لا نعتبر ذلك ولا نقول به وإنما ذكرنا ما ذكرنا بناء على مذاق القوم قدّس سرهم والمختار عندنا أنّه يكفي فيها صدور الفعل بقصد الخضوع وهو يجتمع مع الإتيان لأجل خوف النّاس وسيأتي بيانه الثّالث من وجوه الجواب عن الدّليل الأوّل على حرمة أخذ الأجرة ما ذكره شيخنا العلَّامة الأستاد مصرّا عليه وهو أنّ الإشكال مبنيّ على اعتبار قصد القربة شرعا و هو ممنوع إذ لا شبهة أنّ لفظ العبادة ليس لها حقيقة شرعيّة ولا متشرعيّة بل إنما هي قد استعملت في جميع موارد استعمالها في الكتاب والسّنة في معناها اللَّغوي وهو غاية الخضوع أو أقصى غاية الخضوع على الاختلاف في كتب اللَّغة كما لا يخفى على المتتبّع في موارد استعمالاتها وحينئذ يرتفع الإشكال من جملة من المسائل الَّتي أشكل الأمر فيها على فحول الفقهاء والأصوليين منها ما نحن فيه ضرورة عدم التّنافي بين الخضوع وأخذ الأجرة عليه ومنها إشكال الدّور في اعتبار قصد القربة وقصد الأمر في عباديّة العبادة الَّذي أجابوا عنه تارة بالالتزام إلى وجود أمر آخر مع أنّه فاسد في نفسه فتأمل وأخرى بالالتزام إلى اعتباره في طريق الامتثال لا في المأمور به شطرا أو شرطا مع أنّه منظور فيه عندي أيضا بما ليس هنا موضع بيان وجه النّظر وتفصيل الكلام في ذلك في حواشينا على الكفاية وجه ارتفاع هذا الإشكال أنّه مبنيّ على اعتبار ما ذكر في العباديّة وقد مرّ عدم اعتباره فيها ومنها صحّة عبادة المأمورين بالمعروف إذ أتوها خوفا من الأمرين به بحيث يكون ذلك هو المحرّك لهم إليها بناء على ما ذكرنا بخلافه بناء على اعتبار كون المحرّك أمر المولى ونحوه إذ لا طريق إلى صحّتها إلَّا ما تقدّم من مسألة الدّاعي إلى الدّاعي وقد مرّ ما فيه ومنها معقوليّة الصّلاة والصّوم من الحائض مع حرمتهما عليها وتهيئها عنهما فيتحقّق منها المخالفة أيضا إذ لو كان البناء على ما هو المعروف فلا يعقل صدورهما عنها فلا يعقل في حقّها المخالفة للنّهي عن الصّلاة ولذا قصدوا لدفع الإشكال بما لا يسمن ولا يغني من جوع شيئا وأمّا بناء على ما ذكرنا فلا إشكال في المسألة ضرورة أنّ تحقّق الخضوع لا حاجة فيه إلى قصد الأمر حتّى يقال بأنّه لا يجتمع مع النّهي وإنما الأوامر كلَّها إنما هي لأجل بيان طريق العبادة والخضوع وأنّ المطلوب عند المولى هو خضوع العبد بذاك العمل الَّذي تعلَّق به الأمر ويدلّ عليه في بعض الرّوايات الواردة في خلقة آدم ع وأمر الملائكة بالسّجود له وردّه تبارك وتعالى بإبليس لعنه الله حيث قال اعفني عن السّجود لآدم أعبدك عبادة لم