الَّذي هو عند ذوي المروّة من أعظم العقوبات وهذا الأمر الثّاني إنّما هو فيما إذا كثر ذلك ولذا عبّر ع في تلك الفقرة بقوله ما زال أحدكم فيكون مفاده كمفاد ما روي عن الصّادق ع قال قال عيسى بن مريم من كثر كذبه ذهب بهاؤه فقد ظهر من كون التّعليل تعليلا لعدم الصّلاحيّة أنّ المراد منه الحرمة فعلم ممّا ذكرنا أنّ الخبر صريح في كون مجرّد الكذب فجورا وليس فيه إشعار على عدمه لأنّ أقصى ما يتوهّم ذلك منه هو التّعبير بقوله ما زال ولكن يدفعه أنّ التّعبير المذكور إنّما هو من جهة توقّف معروفيّته بالفجور عليه لا أصل الفجور وإلَّا لكان اللَّازم أن يقول في الغاية حتّى يفجر هذا والإنصاف أنّ في الرّواية إشعارا بعدم كون مطلق الكذب فجورا من جهة التّعبير بأنّ الكذب يهدي إلى الفجور إذ لو كان بنفسه فجورا لم يكن وجه لكلمة يهدي إلَّا أنّ الخبر مع ذلك لا يكون منافيّا لكون الكذب على الإطلاق كبيرة بعد الفراغ عن حرمته كما هو المفروض وإنّما ينافي حرمته وذلك مضافا إلى التّعبير بلا يصلح الَّذي لا دلالة له على الحرمة لأنّه لو كان حراما لكان بنفسه فجورا لا هاديا إلى الفجور هذا بناء على كون الفجور عبارة عن غير الكذب من المعاصي فيكون مفاد الرّواية مثل مفاد ما دلّ على كونه مفتاح المعاصي وأمّا بناء على أن يكون المراد منه الفجور الكذبي أي الكذب الَّذي هو بنفسه معصية وفجور فينافي حرمته على الإطلاق ويدلّ على اختصاص الحرمة ببعض أفراده إذ المراد من الكذب حينئذ لا بدّ وأن يراد منه الكذب الغير المحرّم مثل الوعد على الأهل مع البناء على عدم الوفاء وأمّا أنّ المحرّم كبيرة أم لا فلا تعرّض للرّواية له أصلا وبالجملة لا ينافي الرّواية لكون الكذب بجميع أفراده بعد حرمتها كبيرة هذا والحقّ ما ذكرناه أوّلا من كون الوعد مع إضمار عدم الوفاء به في موطنه كذبا حقيقة وحينئذ نقول إنّ الظَّاهر أنّ قوله ع إنّ الكذب يهدي إلى الفجور في مقام العلَّة للنّهي عن الوعد للصّبي مع إضمار عدم الوفاء به وسيأتي أنّه حلال شرعا ومع حليّته لا بدّ من حمل النّهي عنه على الإرشاد إلى ما يستلزمه غالبا إلى الحرام من الوعد بغير الصّبر أيضا مع إضمار عدم الوفاء فيكون معنى تلك الفقرة لا يعدن أحدكم صبيّه مع إضماره عدم الوفاء به وإن كان كذبا جائزا وحلالا لأنّ الكذب الحلال يهدي إلى الفجور والكذب الحرام وهو يهدي إلى النّار فتأمّل جيّدا < صفحة فارغة > [ وكيف كان فالظَّاهر عدم دخول خلف الوعد في الكذب ] < / صفحة فارغة > قوله قدّس سرّه وكيف كان فالظَّاهر عدم دخول خلف الوعد إلى آخره ( 1 ) أقول الوجه فيه على ما ذكرنا من عدم اختصاصه بالقول أنّ الكذب قد أخذ في مفهومه إراءة غير الواقع واقعا وهو مفقود في ترك العمل بمقتضى الوعد المعبّر عنه بالخلف نعم هو تكذيب للوعد بالنّسبة إلى ما أنبأ عنه من المعنى الخبري بمعنى جعله مخالفا للواقع حيث إنّه بالخلف يكون الواقع في الخارج مخالفا لما هو ملازم للوعد ونظير ذلك أن يقول مثلا زيد يقوم غدا ثمّ يمنعه القائل من القيام في الغد بحيث لولا منعه لقام فيه فإنّه كذب بمعنى جعل الخبر السّابق مخالفا للواقع بجعل الواقع في الغد عدم القيام والحاصل أنّ الكذب لا بدّ في تحقّقه من كون مضمون القول غير ما له واقعيّة في موطنه وهذا المعنى حاصل في الخبر الملازم للوعد بمجرّد الخلف لا في نفس الوعد لأنّ مضمون الكلام بالنّسبة إليه له واقعيّة لوجود الالتزام حقيقة في نفس الأمر في زمان الوعد ومعلوم أنّ الخلف لا يغيّره عمّا هو عليه في زمان الوعد حتّى يكون صوريّا فيكون كذبا ومن هنا ظهر أنّ مراد المصنف قدّس سرّه من الوعد في قوله نعم هو كذب للوعد معناه الالتزامي الخبري لا المطابقي الإنشائي وبالجملة لا إشكال في كون الخلف سببا لمخالفة ما استلزمه الوعد من الإخبار بوقوع الفعل الموعود في الواقع وإنّما الإشكال في حكمه وحرمته فنقول المشهور على ما في المتن عدم حرمته ويستفاد من قولهم في مقام ردّ الاستدلال بعموم المؤمنون عند شروطهم على لزوم كلّ شرط ولو كان ابتدائيّا بأنّ الشّروط الابتدائيّة كالوعد لا يجب الوفاء به أنّ جواز الخلف وعدم حرمته من المسلمات وليس ما يصلح سندا لهم إلَّا ما في باب التّدبير من الوسائل عن يونس في المدبّر والمدبّرة يباعان يبيعهما صاحبهما في حياته فإذا مات فقد عتقا لأنّ التّدبير عدة وليس بشيء واجب الخبر وفيه أنّه من فتاوى يونس ولم ينقله عن الإمام ع كي يستند إليه في ذلك بل يظهر من غير واحد من الرّوايات الصّحيحة حرمته منها صحيحة شعيب العقرقوفي في العشيرة من حجّ الوسائل عن أبي عبد الله ع قال رسول الله ص من كان يؤمن با لله واليوم الآخر فكيف إذا وعد فتأمل ومنها صحيحة هشام بن سالم قال سمعت أبا عبد الله ع يقول عدة المؤمن نذر لا كفّارة له فمن أخلف فبخلف الله بدأ ولمقته تعرّض وذلك قوله تعالى * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ ا للهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) * وظهور هذه الصّحيحة في الحرمة من وجوه أحدها حمل النّذر على العدة مع أنّه غيرها فلا بدّ أن يكون مبنيّا على تنزيلها منزلته في جميع خواصّه أو أظهرها وليس للنّذر حكم أظهر من وجوب الوفاء وحرمة المخالفة فيثبت في العدة أيضا وهو المطلوب وثانيها قوله لا كفّارة له بناء على كونه للتّشديد في أمر العدة وأنّ أثر الخلف لا يرتفع بالكفّارة كما يرتفع بها في النّذر لا للتّخفيف وأنّه لا يبلغ مرتبة النّذر في لزوم الوفاء به حتّى يحتاج إلى الكفّارة في مقام الخلف وإلَّا لما كان يناسب التّفريع عليه بقوله فمن أخلف إلى آخره وثالثها قوله فمن أخلف فبخلف الله بدأ لظهوره في أنّه مخالفة على الله ابتداء وحرمتها من الأوّليّات ورابعها قوله وبمقته تعرّض فإنّ المقت في اللَّغة شدّة البغض والشّخص لا يتّصف بذلك إلَّا إذا ترك واجبا أهمّ أو فعل محرما كذلك ومن الاستشهاد بالآية يتّضح صحّة الاستدلال بالآية أيضا فإنّها وإن كان الظَّاهر منها بنفسها هو التّوبيخ على نفس الوعد مع البناء على عدم الوفاء وإلى هذا ينظر المصنف قدّس سرّه في قوله فيما سبق وهو أي الوعد مع إضمار عدم الوفاء المراد ظاهرا بقوله تعالى * ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ ا للهِ ) * الآية ويمكن دعوى ظهورها في الذّمّ على الوعظ مع عدم عمل نفس الواعظ بما يعظ به فيكون وزانه وزان قوله تعالى * ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) * بناء على ظهوره في كون التّوبيخ فيه على الأمر بالبرّ مع عدم العمل به وفيه تأمّل بل منع إذ الظَّاهر هو الذّمّ على ترك العمل بما يأمرون به لا على الأمر بما لا يعملون به إلَّا أنّه بواسطة الاستشهاد بها على ما ذكر في الرّواية يعلم أنّ المراد منها المذمّة على ترك العمل بالوعد على سبيل