الخلاف الاختلاف في ما يستفاد من الكتاب والسنة : أما الكتاب : فهو قوله عز من قائل : ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) [1] فإنه يمكن أن يكون قوله : ( فإن آنستم ) تفريعا على الابتلاء ، أي اختبروهم قبل البلوغ من زمان يمكن رشدهم فيه إلى زمان البلوغ ، فإن آنستم منهم الرشد في خلال هذه الأزمنة فادفعوا إليهم أموالهم . فعلى هذا يكفي الرشد لنفوذ تصرفهم ولو لم يبلغوا . ويمكن أن يكون تفريعا على الامتحان بعد البلوغ ، أي امتحنوهم من زمان قابليتهم للامتحان إلى زمان البلوغ ، فإذا بلغوا راشدين فادفعوا إليهم أموالهم ، والظاهر هو الثاني . أما أولا : فلأنه سبحانه لما أمر بإيتاء الأيتام أموالهم بقوله عز شأنه : ( وآتوا اليتامى أموالهم ) [2] ونهى عن دفع المال إلى السفيه بقوله : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) [3] بين الحد الفاصل بين ما يحل ذلك للولي وما لا يحل ، فجعل لجواز الدفع شرطين : البلوغ وإيناس الرشد فلا يجوز قبلهما . وثانيا : لو لم يكن قوله : ( فادفعوا ) تفريعا على إحراز الرشد بعد البلوغ لم يكن وجه لجعل غاية الابتلاء هو البلوغ ، وكان المناسب أن يقال : وابتلوا اليتامى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم . ولا يقال : لو كان المدار على الرشد والبلوغ لا وجه لإيجاب الامتحان قبل البلوغ ، فإن ظاهر كلمة ( حتى ) أنها غاية للامتحان ، فلا محالة يكون مبدؤه قبل البلوغ . لأنا نقول : إيجاب الامتحان قبله إنما هو لإحراز الرشد حتى تدفع إليهم أموالهم بمجرد البلوغ ، ولا يكون الولي ممن يأكل أموالهم إسرافا وبدارا أن يكبروا ، فإن الأولياء لو أمروا بالامتحان مقارنا للبلوغ يحتمل أن يكون رشد
[1] النساء : 6 . [2] النساء : 2 . [3] النساء : 5 .