جاز للحاكم عقوبته عقوبة تعزيرية على ما ارتكبه من المعصية والجرم ، وذلك تمسّكا بمقتضى القاعدة ، بناء على أنّها تقتضي التعزير والتأديب من قبل الحاكم على كلّ معصية ، غاية الأمر في مورد تحديد عقوبة حديّة ، وإجرائها ، يتداخل التأديب مع الحدّ ، ويكون به ، وأمّا إذا عفى عنه بقي للحاكم حقّ تأديبه وتعزيره على حسب ذنبه . وببعض الروايات الخاصّة ، ففي القصاص مثلا ، ورد في صحيح فضيل بن يسار « قال : قلت لأبي جعفر ( ع ) : عشرة قتلوا رجلا ؟ قال : إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعا ، وغرموا تسع ديات ، وإن شاؤا تخيّروا رجلا فقتلوه ، وأدّى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الأخير عشر الدّية ، كلّ رجل منهم ، ثم الوالي يلي بعد أدبهم وحسبهم » [24] . فإنّ هذه الرواية صريحة في أنّ للحاكم بعد عفو ولي الدم عن القتل وقبوله الدّية أن يتولَّى تأديب القاتل على جريمته ، والتعبير بقوله ( ع ) : « ثمّ الوالي يلي بعد . » فيه دلالة واضحة على أنّ هذا غير الحقّ الخاصّ ، ومربوط بالحقّ العام الحاصل من ارتكابهم الجريمة والمعصية ، التي لا بدّ أن لا تذهب بلا ردع وتأديب ، والذي هو حكمة تشريع العقوبات والغرض الأساس منها . ودعوى : احتمال اختصاص هذا الحكم بمورد الرواية مدفوعة ، بأنّ هذا خلاف المتفاهم العرفي من مثل هذا الحكم الذي مناسبته واضحة عندهم ، وليس من الأحكام العبادية التعبّدية ، وهل يحتمل عرفا أن يكون عدد العشرة مثلا دخيلا في هذا الحكم ، أو الاشتراك في القتل ، أو قلَّة الدية المدفوعة من كلّ واحد منهم أو كثرتها ؟ فإنّ شيئا من هذه الاحتمالات ليس عرفيا ، وإنّما المتفاهم منه خصوصا من الذيل ما أشرنا إليه من أنّ الإمام ( ع ) أراد بيان عدم سقوط الحقّ العام والذي وليّه الحاكم الشرعي بسقوط الحدّ من جهة عفو وليّه الخاصّ ، فيستفاد من ذلك قاعدة عامّة في سائر موارد عفو وليّ الدم عن القصاص أيضا ،
[24] الوسائل ، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس ، ح 5 .