الثاني : أن يكون للدلالة على سعة الفساد وشيوعه بين الناس في قبال الجريمة الفردية غير المنتشرة بين الناس . وهذا الاحتمال أيضا خلاف الظاهر ؛ لأنّ مجرّد إضافة الفساد إلى الأرض لا يقتضي ذلك ، وانما بحاجة إلى ما يدلّ على شيوع الفساد ، بل هذا التعبير صادق مع الجريمة الفردية أيضا . الثالث : أن يكون الظرف للدلالة على أنّ الفساد فساد لأوضاع الأرض ، وما هو من شأن الأرض فكأن الفساد واقع على الأرض وبارز فيها وظاهر عليها ، وهذا لا يتوقّف على أن يكون الظرف لغوا ومتعلَّقا بالفساد ، بمعنى إفساد الأرض ؛ ليقال بأن استعمال الإفساد في الأرض بمعنى إفسادها خلاف الظاهر ، أو ليس معهودا ، بل الظرف مستقرّ أو متعلَّق بالسعي في مثل قوله تعالى : * ( ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً ) * ، ومع ذلك نفهم من إيجاد الفساد في الأرض وإبرازه فيها بالإخلال بأوضاعها وإزالة صلاحها بحيث يظهر فيها الفساد . ومما يدلّ على أن الظرف هنا ليس لمجرّد الظرفية المحضة تكراره في قوله تعالى * ( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ) * [ البقرة / 30 ] فإنه إذا كان لمجرّد الظرفية كان تكرارا محضا ، وهذا واضح الرّكة ، فلا بد وأن يكون لإفادة نكتة زائدة ، وهي التي ذكرناها من إزالة صلاح الأرض وإظهار الفساد فيها . وعندئذ نقول : بأن هذا التعبير لا يشمل إلا ما يكون تعديا وظلما وتجاوزا على حقوق الآخرين من مال أو نفس أو عرض وما إليها ، لا المفاسد الأخلاقية أو الفكرية العقائدية أو السياسية إلا إذا استلزم التجاوز على أحد تلك الحقوق وذلك لوجهين : الوجه الأول : إن النوع الثاني من المفاسد لا يكون مربوطا بالأرض ،