في الأرض على ذلك ممنوع ما لم يؤدّ إلى سلب الأمن والاستقرار من ناحية أحد الأمور المذكورة . وإن شئت قلت : إنّ الظاهر من عنوان الفساد في الأرض ما يكون إخلالا بالصلاح والوضع الطبيعي للأرض ، لا ما يكون فسادا بحسب نظر وفكر وعقيدة أو نظام اجتماعي دون نظر عقيدة أو نظام آخر ، فإن هذا فساد إضافي ونسبي قد يختلف فيه مذهب عن مذهب أو نظام عن نظام ، وظاهر الفساد في الأرض الفساد المطلق ، والذي هو فساد بحسب كلّ منظار ولحاظ ؛ لأنه إخلال بالوضع البيعي المطلوب لحياة الإنسان في الأرض على كلّ حال ، فالشرك أو اعتناق المذاهب والأفكار الباطلة فساد في الفكر وظلم عظيم ولكنّه ليس فسادا في الأرض ، وكذلك ترويج الإباحية والحرية الجنسية أو توزيع الأفيون والمخدرات بين الناس إفسادا لأخلاق الناس ، ولكنه ليس إفسادا في الأرض ، فكم فرق بين إفساد الناس بحيث يختاروا بأنفسهم ما هو فاسد لهم ، وبين عنوان الإفساد المضاف إلى الأرض مباشرة والذي يعني أن تكون الأرض غير صالحة للاستقرار والحياة الآمنة بفعل إنسان ، فإن هذا لا يتحقق إلا إذا كان الفعل بنفسه وبلا ضمّ حيثية أخرى إفسادا في الأرض ، وذلك لا يكون إلا في موارد التجاوز على المال والنفس والعرض وسلب الأمن منها ، ولعل المتتبع لموارد استعمالات هذه الكلمة في القرآن الكريم يشرف على الاطمئنان بإرادة هذا المعنى الخاص منها في تمام تلك الموارد ، فراجع وتأمّل . المحتملات في عنوان الفساد في الأرض بدءا ثلاثة : الأول : أن يكون لمجرّد الظرفيّة المحضة ، وأن الفساد يقع في الأرض . وهذا الاحتمال بعيد للزوم اللغوية في ذكره ؛ إذ من الواضح أن كل عمل يصدر من الإنسان في هذه الحياة يكون في الأرض .