موضوعات الأحكام الشرعيّة الواقعة في الأدلَّة اللفظيّة محمولة على حسب الأنظار العرفيّة ، لا على حسب الأنظار العقليّة والتدقيقات الحكمية . وبعبارة أخرى لا بدّ أن يتنزّل الشارع ، وينزّل نفسه منزلة واحد من أهل العرف ، ويتكلَّم على قدر فهمهم الناقص ، فلو قال : « الدم نجس » فلا بدّ أن يحمل على ما هو دم عند العرف ، لا ما هو كذلك عند التدقيق العقلي ، ولازم ذلك الحكم بطهارة اللون المتخلَّف لعدم كونه عند العرف دما ، وإن كان التدقيق العقلي يقتضي كونه أجزاء صغارا من الدم ، لاستحالة انتقال العرض . والدليل على ذلك : أنّ غرض الشارع من تلك الخطابات تفهيم المخاطبين ، فلو تكلَّم على حسب نظره الشريف الدقيق العالي مع علمه بقلَّة شعور المخاطب وقصور عقله ، كان ذلك منه نقضا لغرضه ، فثبت أنّ حكم الحلَّية في الآية قد تعلَّق بتوسّط العنوان على الأفراد العرفية ، لا لأنّ البيع مقيّد بالعرفي ، بل لأنّ الشارع نزل نفسه منزلة واحد من أهل العرف فتكلَّم بلفظ البيع ، فوقع نظره على المصاديق العرفية ، سواء كانت حقيقيّة أم لا ، فحكم عليها بالحلَّية ، فيكون معنى كلامه أنّ كلّ ما كان عند العرف وفي نظرهم بيعا فهو بيع ونافذ عندي ، فيستفاد من الآية قاعدة ثانوية معمول بها في كلّ مورد علم كونه بيعا عند العرف وشكّ في اعتبار أمر زائد في تأثيره عند الشرع ، ومنه ما نحن فيه . ثمّ لا بدّ لتوضيح الاستدلال بالآية من بيان المراد بالحليّة . فنقول : يمكن حمله على أحد المعنيين : الأوّل : الإباحة والجواز الذي هو من الأحكام التكليفية . فإن قلت : لا يناسب هذا المعنى لمقام الامتنان ، إذ لا امتنان في إباحة مجرّد