تحقق إجماع فقهائنا على الفتوى بفوريته . وأما فقهاء العامة فقد اختلفوا في فوريته ، قال في الروض النضير : » واختلفوا هل وجوبه موسع أو مضيق ؟ فذهب القاسم وأبو طالب ، والأوزاعي والثوري ، ومحمد بن الحسن ، والشافعي إلى أنه على التراخي والسعة . وحجتهم أنه فرض بعد الهجرة سنة خمس أو ست لخبر ( الصحيحين ) : أن قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) ، نزلت في وقعة الحديبية وهي سنة ست إجماعاً ، وفيها قصة كعب بن عجرة المشهورة ، ونزل بعدها : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) ، مؤكداً للوجوب . وفي حديث ضمام في مسلم : وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا ، قال صدق . وقدوم ضمام سنة خمس ، وقيل : سنة سبع ، وقيل : سنة تسع . وقد صرح أهل الحديث والتاريخ أنه ( صلى الله عليه وآله ) انصرف من مكة بعد فتحها في شوال واستخلف عليها عتاب بن أُسيد ، فحج بالناس بأمره ( صلى الله عليه وآله ) سنة ثمان ، وكان مقيماً بالمدينة هو وأزواجه وعامة أصحابه ، وكانوا موسرين بغنائم حنين المقسومة في ذي القعدة ، واعتمر حينئذ من الجعرانة ، فلو كان على الفور لم يرجع من مكة إلى المدينة بهم مع يسارهم وقرب زمن الحج ، ثم ، غزا تبوك سنة تسع وانصرف عنها » . إلى أن قال : » وذهب الناصر والمؤيد بالله ومالك وأحمد بن حنبل وبعض أصحاب الشافعي ورواية عن أبي حنيفة إلى أنه يجب فوراً . وحكى في الإنتصار عن زيد بن علي والهادي والمزني واختاره المقبلي في ( المنار ) . وحجتهم ظواهر الأخبار الدالة على التشديد في تركه » . إلى أن قال : » واعتذروا عن حجة الأولين بوجوه : منها أنه - صلى الله وآله وسلم - كان مهتماً قبل حجة الوداع بإظهار دين الله وإعلاء كلمته فكان عذرا له ولأصحابه ( صلى الله عليه وآله ) عن المبادرة بفعله . ومنها كراهية أن يشاركه في موسم الحج حج أهل الشرك » إلى أن قال : » ومنها أن تأخير الحج إلى سنة عشر إنما كان