« ثانياً » : قد ورد التصريح في الروايات الكثيرة التي مرّ ذكرها أن تفاصيل الأحكام قد شرعت في عصر النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتّى أرش الخدش ، وأنها كانت عند الأئمّة الهادين في كتاب يسمى جامعة أو غيرها ، ومع هذا التصريح لا يبقى لهذا الكلام مجال ، وكذا ما ورد في الروايات المتضافرة أن كلّ ما يجري من الأحكام على لسان الأئمّة المعصومين ( عليهم السلام ) فهو رواية عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ( وقد مرّ ذكر جميع ذلك آنفاً ) . « ثالثاً » : كيف يتصدى الفقيه لتشريع الأحكام الكلَّية ؟ وفي أي موضع ؟ هل هو في ما لا نصّ فيه ، وقد عرفت أنه ليس هناك ما لا نصّ فيه ، أم في ما هو فيه نصّ ، كما قد يتفوه به بعض من لا خبرة له . فإن كان المراد ذلك فمعناه أن تشريع الفقيه - معاذ الله - مقدّم على تشريعات الله تعالى ، وحينئذ أي فائدة في إرسال الكتب السماوية وبعث الرسل ؟ بعد كون الفقيه ذا رأي مقدّم عليها ؟ وصاحب علم بالمصالح والمفاسد أرجح منها ، ولا نظن بأحد من العلماء يتفوّه بهذا المقال الباطل الفاسد . * * * الرّابع - التفويض في أمر الخلقة ولا إشكال أيضاً في بطلانه ، إذا كان المراد التفويض الكلَّي بمعنى أن الله خلق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والأئمّة المعصومين وجعل أمر خلق العالم ونظامه وتدبيره إليهم ، فإنه شرك بيّن . ومخالف لآيات القرآن المجيد ، الظاهرة ، بل الصريح في أن أمر الخلق والرزق والربوبية وتدبير العالم بيد الله تعالى لا غيره . نعم يظهر من بعض كلمات العلَّامة المجلسي معنى آخر للتفويض الكلَّي بمعنى جريان مشية الله على الخلق والرزق مقارناً لإرادتهم ومشيتهم ، وأنه لا يمنع العقل من ذلك ، ولكن صرّح بأن ظاهر الأخبار بل صريحها بطلان ذلك ، ولا أقل من أن القول به قول بما لا يعلم .