ويشهد الخبراء أنّ بلدنا - مثلًا - قادر على التحكَّم بمياه الأمطار والأنهار والانتفاع بها في الزراعة والتنمية بإحداث القناطر والسدود و . ، وأنّ الأراضي الصالحة للزراعة والقابلة للتنمية أكثر بكثير من التي ينتفع بها الآن ، وكذلك الحال بالنسبة للمعادن وغيرها . فلو بذلنا غاية الجهد وانتفعنا بجميع ما خلق الله لنا من النعم الوافرة ، لأمكن العيش لجموع كبيرة حتّى لو بلغت أضعاف العدد الموجود . قلت : نعم ، الأمر كذلك في الجملة ، ولكن هنا أمران لا بدّ من ملاحظتهما في هذا البحث الخطير جدّاً . أحدهما : أن البحث الذهني الكلَّي غير مفيد في هذه المباحث ، بل لا بدّ من الرجوع إلى الأعداد والأرقام ، ومحاسبتها لمعرفة عدد السكان مثلًا بعد عشرين سنة أو خمسين سنة ، مع فرض ازدياد النفوس على النحو الموجود ، ثمّ محاسبة الأرقام فيما يخصّ الأراضي والمياه وغيرها . ومجرّد القول بأنّ هذا يكفي مع ازدياد النفوس مهما كان أمر وهمي . فهو أشبه شيء بما إذا كانت لشخص كميّة كبيرة من المواد الغذائية في مخازن بيته ، فقال لأصدقائه ادعوا كلّ من مررتم به إلى بيتي ، من دون حساب عدد الضيوف المدعوّين ، وكمّية المواد الغذائية الموجودة عنده . ثمّ إنّ الخبراء يصرّحون بأنّ النفوس لو تزايدت بهذا النحو الموجود ، لم تكفهم المياه الموجودة ، وكذا الأراضي مهما كانت . ثانيهما : أنّ إحياء هذه الأراضي مثلًا والسيطرة على موارد المياه الموجودة لا يمكن أن ينجز في يوم وليلة ، بل يحتاج إلى زمن طويل مثلًا في عشرين سنة أو خمسين أو أكثر ، وعمدة المشاكل إنّما هي طول هذه الفترة ، وأنّه لو لم نأخذ بما يمنع من الزيادة السكانية في هذه المدّة لبلغ العدد إلى حدٍّ يستحيل معه الوصول إلى تلك الغاية قطعاً .