والأوْلى أن يقال : إنّ سيرة الفقه والفقهاء رضوان الله تعالى عليهم استقرّت على استنباط الأحكام الكلَّية والرجوع في تشخيص الموضوعات إلى العرف ، فإن كانت من الأمور التي تحتاج إلى مراجعة ذوي الخبرة حيث لا يقدر على فهمها كلّ أحد فلا بدّ من الرجوع إليهم . واللازم في المقام أيضاً الرجوع إلى خبراء ومتخصّصي علم الاجتماع بشرط أن يكونوا مسلمين موثّقين معتمدين - وهذا ديدنهم في جميع الأبحاث الفقهيّة - فلو شهدوا أنّ ازدياد النفوس بهذا النحو سوف ينتهي إلى كإرثه كبيرة لا ينفع معها توسيع الأراضي الزراعية بالقدار الممكن ولا غيرها ، فلا بدّ من الأخذ بآرائهم في إثبات هذه الموضوعات وعدم التخطَّي عن قولهم ، وإلَّا لم يكن الفقيه معذوراً أمام الله إذا تسبّب ذلك في حدوث كإرثه ، أو صار المسلمون أذلَّاء فقراء وجهلاء يمدّون يد الحاجة إلى غيرهم ، ويرزحون تحت نير السلطات الكافرة لا سمح الله . وأمّا ما يدلّ على أنّ الرزق بيد الله فهو حقّ لا ريب فيه ، ولكنّ الله أعطانا عقلًا وفهماً وشعوراً ، أوضح لنا طريق تحصيله بالأسباب الموجودة ، فلو تعدّينا الأسباب ووقعنا في العسر والشدة كان ذلك بما كسبت أيدينا . وهل يمكن لنا أن ندعو ضيوفاً كثيرين ونقول إنّ رزقهم على الله من دون ملاحظة ما بأيدينا لإطعامهم ورزقهم ؟ وقد ورد في الروايات : أنّه لا بدّ للمؤمن من تقدير المعيشة ، وليس تقدير المعيشة إلَّا الأخذ بمقتضى حكم العقل في تدبير أمور الحياة . ثالثاً : تفاوت الظروف : من أهمّ ما يجب الاهتمام بشأنه والالتفات له أنّ المنع عن زيادة النفوس ليس حكماً مطلقاً باتّاً لجميع الأزمان ، بل هو خاصّ بالظروف الموجودة الراهنة في كثير من البلدان ، فلو تغيّرت الظروف تغيّر الحكم ، بل هناك بعض البلدان لا بدّ فيها من