كان المانع عن حجّية علم القاضي يقتصر على نفي حجّية العلم الحاصل من المبادي النظرية الحدسيّة لكان لقوله وجه يعتدّ به ، ولكنّه أنكر حجّية جميع أنحائه فوقع في الخطأ ، وكلامه موافق إجمالًا لما اخترناه في المقام . بقي هنا مسائل الأولى : قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ القول بالتفصيل بين حدود الله وحدود الناس إنّما هو بمعنى كون حدود الناس تحتاج إلى المدّعي الخاصّ وهو صاحب الحقّ ، فلا يجوز إجراؤها بدونه كما هو مذكورٌ في أبواب حدّ السرقة والقذف . وأمّا إذا كان هناك مدّعياً للحقّ وعلم القاضي من طريق الحس أو ما يقاربه بثبوت الحقّ للمدّعي ، فلا يبعد وجوب العمل به . وكذا إذا كان هناك حقوق للناس - خارجاً عن دائرة الحدود - كما إذا كان النزاع في الود أو المال أو غير ذلك ، وثبت بالقرائن المحسوسة التي يحصل اليقين منها لكلّ أحد عادةً أنّ المال لزيد أو لعمرو جاز للحاكم الحكم به ، كما تشهد به كثيرٌ من الروايات السابقة فإنّها وردت في أبواب التنازع في الحقوق أو الأموال ، فإذن لا يبقى فرقٌ بين الحدود والحقوق ، ولا بين حدود الله وحدود الناس لاتّحاد الدليل في البابين وإنّما الفرق في أنّ الأُولى لا تحتاج إقامتها إلى شيء والثانية تتوقّف على المدّعي الخاصّ . الثّانية : قد يستثني من القول بعدم الحجّية أمورٌ ، قال في المسالك : إنّ منع من قضاء القاضي بعلمه استثنى صوراً : منها : تزكية الشهود وجرحهم لئلَّا يلزم الدور والتسلسل . ( ومراده أنّ تزكية الشاهد لو احتاج إلى شاهدين آخرين ننقل الكلام إليهما ، وهكذا ، فإمّا أن يعود فيلزم الدور ، أو لا يعود فيلزم التسلسل ، فلا مناص من عمل القاضي بعلمه في عدالة الشاهد لا محالة .