أراد الله من العباد إذ قال لهم : أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة : الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل ؟ فإن قالت : إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل ؛ فقد كفرت عند أهل العلم ، من قال إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة ؟ وإن قالت : أراد منهم الإقرار ؛ قيل : فإذا كان أراد منهم الأمرين جميعاً لِمَ زعمتم أنه يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر ، وقد أرادهما جميعاً ؟ أرأيتم لو أن رجلاً قال : أعمل جميع ما أمر به الله ولا أقر به ؛ أيكون مؤمناً ؟ فإن قالوا : لا ؛ قيل لهم : فإن قال : أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل به ؛ أيكون مؤمناً ؟ فإن قالوا : نعم . قيل : ما الفرق ؟ فقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعاً فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمناً إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ولم يقره مؤمناً ، لا فرق بين ذلك . فإن احتج ، فقال : لو أن رجلاً أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي ( ص ) ؛ أيكون مؤمناً بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت عمل ؟ قيل له : إنما يطلق له الاسم بتصديقه أن العمل عليه بقوله أن يعمله في وقته إذا جاء ، وليس عليه في هذا الوقت الإقرار بجميع ما يكون به مؤمناً ، ولو قال : أقر ولا أعمل ؛ لم يطلق عليه اسم الإيمان . قلت - يعني الإمام أبو ثور رحمه الله - : إنه لا يكون مؤمناً إلا إذا التزم بالعمل مع الإقرار ، وإلا ؛ فلو أقر ولم يلتزم العمل لم يكن مؤمناً » . وهذا الاحتجاج الذي ذكره أبو ثور هو دليل على وجوب الأمرين : الإقرار والعمل ، وهو يدل على أن كلاًّ منهما من الدين ، وأنه لا يكون مطيعاً لله ولا مستحقاً للثواب ولا ممدوحاً عند الله ورسوله إلا بالأمرين جميعاً ، وهو حجة على من يجعل الأعمال خارجة عن الدين والإيمان جميعا ) [1]