أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها ؛ كان هذا القول مع هذه الحال كذباً منه ، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول : أشهد أن ما فيه كلام الله ، أو جعل يقتل نبياً من الأنبياء ويقول : أشهد أنه رسول الله ، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب ، فإذا قال : أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال ؛ كان كاذباً فيما أظهره من القول . فهذا الموضع ينبغي تدبره ؛ فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب ، وعلم أن من قال من الفقهاء : إنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل ، أو يقتل مع إسلامه ؛ فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية ، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل ، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في « مسألة الإيمان » ، وأن الأعمال ليست من الإيمان ، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب ، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع ، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزء من الإيمان كما تقدم بيانه . وحينئذٍ ؛ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات ويترك بعضها كان معه من الإيمان بحسب ما فعله ، والإيمان يزيد وينقص ، ويجتمع في العبد إيمان ونفاق ؛ كما ثبت عنه في « الصحيح » أنه قال : « أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق ؛ حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا ائتمن خان ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر » [1] .
[1] رواه البخاري في ( الإيمان ، باب علامة المنافق ، رقم 34 ) ، ومسلم في ( الإيمان ، باب بيان خصال المنافق ، رقم 58 ) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما .