اشتمال بعض الأعمال على الخير والشر في آن واحد وفيه كلام غريب ! ( اعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع ، وفيه أيضاً شر من بدعة وغيرها ؛ فيكون ذلك العمل خيراً بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من أنواع المشروع وشراً بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من الإعراض عن الدين بالكلية ، كحال المنافقين والفاسقين ، وهذا قد ابتلى به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة ؛ فعليك هنا بأدبين : أحدهما : أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطناً وظاهراً في خاصتك وخاصة من يطيعك ، وأعرف المعروف وأنكر المنكر . الثاني : أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان ، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه ؛ فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه ، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه ، ولكن إذا كان في البدعة من الخير فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان ؛ إذْ النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء ، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلاّ إلى مثله أو إلى خير منه ، فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع معيبون قد أتوا مكروهاً ؛ فالتاركون أيضاً للسنن مذمومون ، فإن منها ما يكون واجباً على الإطلاق ، ومنها ما يكون واجباً على التقييد ، كما أن الصلاة النافلة لا تجب ، ولكن من أراد أن يصليها يجب عليه أن يأتي بأركانها ، وكما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات والقضاء والتوبة والحسنات الماحية ، وما يجب على من كان إماماً أو قاضياً أو مفتياً أو والياً من الحقوق وما يجب على طالبي العلم ، أو نوافل العبادة من الحقوق . ومنها : ما يُكره المداومة على تركه كراهة شديدة .