فصل جامع في تعارض الحسنات والسَّيِّئات ( إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ؛ فنقول : قد أمر الله ورسوله بأفعال واجبة ومستحبة ؛ وإن كان الواجب مستحباً وزيادة ، ونهى عن أفعال محرمة أو مكروهة ، والدين هو طاعته وطاعة رسوله ، وهو الدين والتقوى والبر والعمل الصالح والشرعة والمنهاج ؛ وإن كان بين هذه الأسماء فروق ، وكذلك حَمَدَ أفعالاً هي الحسنات ووعد عليها ، وذم أفعالاً هي السيئات وأوعد عليها . . . وقال في المتعارض : { يَسْألونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فيهما إثْمٌ كبيرٌ وَمَنافِعُ للنَّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما } [1] ، وقال : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أنْ تَكْرَهوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ واللهُ يَعْلَمُ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمونَ } [2] . . . ونقول : إذا ثبت أن الحسنات لها منافع وإن كانت واجبة ؛ كان في تركها مضار ، والسيئات فيها مضار ، وفي المكروه بعض حسنات ؛ فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح ، وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما ، وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما ؛ بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة ، وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة ؛ فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة .