المقدمة إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهدِ الله فلا مضلَ له ، ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله . أما بعد : فإنَّ كتبَ شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ، « جمعتْ فأوعت : جمعت جميع الفنون النافعة ، والعلوم الصحيحة ، جمعت علوم الأُصول والفُروع ، وعلوم النقل والعقل ، وعلوم الأخلاق ، والآداب الظاهرة والباطنة ، وجمعت بين المقاصد والوسائل ، وبين المسائل والدلائل ، وبين الأحكام وبيان حِكَمِها وأسرارها ، وبين تقرير مذاهب الحق ، والرَّد على جميع المُبطلين . وامتازت على جميع الكتُب المُصنَّفة بغزارة علمها ، وكثرته وقوته ، وجودته وتحقيقه ، بحيث يجزم من له اطلاع عليها وعلى غيرها أنه لا يوجد لها نظير يُساويها أو يُقاربها » [1] ، فهي غزيرة المادة ، جزيلة المباحث ، سديدة المنهج ، سهلة الأسلوب ، عذبة الموارد ، ناصعة البيان ، واضحة التعبير ، مشرقة الدلالة ، تدرك فوائدها على غير مؤونة ، ولا كدِّ ذهن ، ولا جهد فكر ، من تصفحها وجدها مشبعة الفصول مستوعبة لأطراف الفنون ، جامعة لشتيت الفوائد ، ومنثور المسائل ، قد استوعبت أصول العلوم ، وأحاطت بفروعها ، واستقصت غرائب مسائلها ، وشواذها ونوادرها . وشيخ الإسلام رحمه الله كان عالم أمته ، وإمام عصره وأوحد زمانه ، وكان بحر العلم الزاخر ، وبدر العلماء الزاهر ، وكوكبهم اللامع ، ونبراسهم الساطع ، والذي يُرجع إليه في المشكلات ، ويُستصبح بضوئه في المعضلات ،
[1] من مقدمة الشيخ عبد الرحمن السعدي لكتاب « طريق الوصول إلى العلم المأمول » .