الشرع والسياسة ( ثبت في « الصحيح » عن رسول الله ( ص ) أنه قال : « إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء ، كلما مات نبي قام نبي ، وأنه لا نبي بعدي ، وسيكون خلفاء يكثرون » . قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : « أوفوا بيعة الأول فالأول ، وأعطوهم حقهم ؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم » [1] ، فلما صارت الخلافة في ولد العباس واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق ، ولم يكن ما معهم من العلم كافياً في السياسة العادلة : احتاجوا حينئذٍ إلى وضع ولاية المظالم ، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع ، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين ؛ حتى صار يُقال : الشرع والسياسة ، وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو إلى السياسة ، سوغ حاكماً أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة . والسبب في ذلك أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة ، فصارت أمور كثيرة : إذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود ؛ حتى تُسفك الدماء ، وتؤخذ الأموال ، وتُستباح المحرمات ، والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة ، وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحرى العدل ، وكثير منهم يحكمون بالهوى ويحابون القوي ومن يرشوهم ونحو ذلك . وكذلك كانت الأمصار التي ظهر فيها مذهب أهل المدينة يكون فيها من الحكم بالعدل ما ليس في غيرها من جعل صاحب الحرب متبعاً لصاحب
[1] رواه البخاري في ( أحاديث الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ، رقم 3455 ) ، ومسلم في ( الإمارة ، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ، رقم 1842 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .