الأخلاق الَّذي هو السّبب الكلَّى للقرب من الملك الخلَّاق وهو تحلية النفس بالفضائل وتخليتها من الرّذائل وإن كان هذا العلم الان قد عفت مراسمه وانطمست في هذه الأزمنة معالمه وانّما المدار الآن بين النّاس على العلم بهذه العلوم الرّسميّة المجامعة للفسق في جلّ من تسمّى بها ويكفيك في صحّة ما ذكرنا قول أمير المؤمنين عليه السّلام لشريح يا شريح جلست مجلسا لا يجلسه إلَّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ ويدلّ على ما ذكرناه جملة من الأخبار ومنها ما رواه الثّقة الجليل أبو منصور أحمد بن أبي طالب الطَّبرسي في كتاب الاحتجاج بسنده إلى الإمام العسكري ( - ع - ) وهو موجود ( - أيضا - ) في تفسيره عن الرّضا عليه السّلام قال قال علىّ بن الحسين ( - ع - ) وساق الخبر الطَّويل الآتي إنشاء اللَّه تعالى في طيّ أخبار القول بالملكة ثمَّ قال وقد اضطرب في التفصّي عن هذا الخبر شيخنا الشيخ سليمان وتلميذه المحدّث المتقدّم ذكرهما بناء على ما قدّمنا نقله عنهما من حكمهما باتّحاد معنى العدالة في كلّ من اشترط اتّصاله بها فقال المحدّث الصالح المذكور في كتاب منية الممارسين في أجوبة الشيخ يس بعد الكلام في العدالة وما به يتحقّق ونقل هذا الخبر ما صورته انّه محمول على تعريف الإمام عليه السّلام والوليّ ومن يحذو حذوهما من خواصّ الصّلحاء وخلَّص أهل الإيمان الَّذي لا تسمح الأعصار منهم إلَّا بأفراد شاذّة واحاد نادرة ويرشد اليه قوله عليه السّلام فذلكم الرّجل نعم الرّجل فيه تمسّكوا وبسنّته فاقتدوا بل لا يبعد ان يكون مراده عليه السّلام الإمام عليه السّلام خاصّة ويرشد اليه قوله عليه السّلام في أخر الحديث فإنّه لا ترد لهم دعوة ولا تخيّب لهم طلبة ويكون غرضه عليه السّلام الردّ على الزّيديّة ومن حذا حذوهم من القائلين بالاكتفاء في الإمام بظهور الصّلاح والورع كيف وما ذكر لا يتحقّق إلَّا في الأولياء الكمّل فلو اعتبر ذلك لعظم الخطب واختلّ النّظام وانسدّ باب القضاء والفتيا والتّقليد والشهادات والجمعة والجماعات والطَّلاق وغير ذلك هكذا حقّقه شيخنا في الكتاب المذكور وهو متين جدّا أقول أشار بذلك إلى ما نقله في أثناء كلامه المتقدّم في المسئلة عن شيخه المذكور في كتاب العشرة الكاملة ثمَّ قال وأقول انّ سياق الحديث دالّ بجملته على انّ المراد تصعّب أمر الإمامة العامّة وتشديد أمرها وقرينة الرّئاسة عليها شاهدة كما لا يخفى والَّا فلا يستقيم حمله على غيره أصلا قطعا لما تقدّم في رواية ابن أبي يعفور من المعارضة الصّريحة من قوله عليه السّلام حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في النّاس وما تقدّم في رواية علقمة وغيرهما ممّا هو صريح في المعاوضة واضح في المناقضة ولا يجوز التّعارض في كلامهم ( - ع - ) ولا التناقض مع انّ هذه الرّواية شاذة فالترجيح للأكثر المشهور بين الأصحاب المتلَّقاة بينهم بالقبول المعتمد عليها في الفتوى وقد اجمعوا على ترك العمل بظاهر هذه الرّواية فقد قال الصّادق عليه السّلام خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ الَّذي ليس بمشهور فان المجمع عليه لا ريب فيه واللَّه الهادي انتهى كلامه زيد مقامه وأقول لا ريب انّ الَّذي أوجب لهما نور اللَّه مرقديهما ارتكاب هذه التأويلات البعيدة والتمحّلات السّخيفة الغير السديدة انّما هو صعوبة المخرج عن هذه الشّروط المذكورة الَّتي اشتمل عليها الخبر وعدم سهولة القيام بها كما أمر سيّما مع قولهم بعموم ذلك في إمام الجماعة والشّاهد والَّا فمع تخصيص الخبر بالنّائب عنهم عليهم السّلام في القضاء والفتوى لا استبعاد فيه عند من تأمّل في غيره من الأخبار المؤيّدة له كما سيظهر لك إنشاء اللَّه تعالى وصعوبة الأمر بالنّسبة إلى القضاء والفتوى اللَّذين هما من خواصّ النّائب عنهم عليهم السّلام لا يوجب طعنا في الخبر فإنّه انّما نشأ من المكلَّفين باجلالهم بما أخذ عليهم في الجلوس في هذا المجلس الشريف والمحلّ المنيف فإنّه مقام خطير ومنصب كبير كما سيظهر لك إنشاء اللَّه تعالى وأكَّد الشّبهة المذكورة ما اشتهر بين النّاس في أكثر الأعصار والأمصار من انّ النّائب عنهم هو كلّ من كانت له اليد الطَّولى والمرتبة العليا في هذه العلوم الرّسميّة وان لم يتّصف بشيء من علم الأخلاق سيّما انّ هذا العلم قد اندرست مراسمه وانطمست معالمه كما أشرنا إليه آنفا والَّذي يدلّ على ما قلناه من خروج هذا الخبر بالنّسبة إلى النّائب عنهم عليهم السّلام أوّلا ما ذكره الإمام العسكري عليه السّلام في التفسير المتقدم ذكره من الكلام قبل هذا الخبر ثمَّ صبّ عليه هذا الخبر وصاحب الاحتجاج إنّما أخذه من الكتاب المذكور قال حدثني أبى عليه السّلام عن جدّى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله انّ اللَّه تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من النّاس ولكن يقبضه بقبض العلماء فإذا لم ينزل عالم إلى عالم يصرف عنه طلَّاب حطام الدنيا وحرامها ويمنعون الحقّ من أهله ويجعلونه لغير أهله واتّخذ النّاس رؤساء جهّالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلَّوا أو أضلَّوا وقال أمير المؤمنين عليه السّلام يا معشر شيعتنا المنتحلين لمودّتنا إيّاكم وأصحاب الرّأي فإنّهم أعداء السّنن تفلَّتت منهم الأحاديث ان يحفظوها وأعيتهم السّنة ان يعوها فاتّخذوا عباد اللَّه حولا وماله دولا فذلَّت لهم الرّقاب وأطاعهم الخلق أشباه الكلاب ونازعوا الحق أهله وتمثّلوا بالأئمّة الصّادقين وهم من الكفّار الملاعين فسئلوا فاتّقوا ان يعترفوا بأنهم لا يعلمون فعارضوا الدّين بأدائهم فضلَّوا وأضلَّوا اما لو كان الدّين بالقياس لكان باطن الرّجلين أولى بالمسح من ظاهرهما وقال الرّضا عليه السّلام قال علىّ بن الحسين عليهما السّلام إذا رأيتم الرّجل الحديث إلى أخره وهو كما ترى واضح فيما ادّعيناه صريح فيما وعيناه وسياق كلامه عليه السّلام وإن كان بالنّسبة إلى علماء العامّة الَّا انّه شامل لمن حذا حذوهم في الإخلال بتلك الشروط سيّما مع ما في الرّواية المذكورة والدّخول في هذا الأمر الخطير مع الاتّصاف بتلك الأمور المذكورة وثانيا ما رواه ثقة الإسلام ( - ره - ) في الكافي بسنده عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام عن أمير المؤمنين عليه السّلام انّه كان يقول يا طالب العلم انّ العلم ذو فضائل كثيرة فراسة التواضع وعينه البراءة من الحسد واذنه الفهم ولسانه الصّدق وحفظه الفحص وقلبه حسن النيّة وعقله معرفة الأشياء والأمور ويده الرّحمة ورجله زيارة العلماء وهمّته السّلامة وحكمته الورع ومستقرّه النّجاة وقائده العافية ومركبة الوفاء وسلاحه لين الكلام وسيفه الرّضا وقوسه المداراة وجيشه مجاورة العلماء وماله الأدب وذخيرته اجتناب الذّنوب وزاده المعروف ومائه الموادعة ودليله الهدى ورفيقه محبّة الأخيار أقول انظر أيّدك اللَّه تعالى إلى ما دلّ عليه هذا الخبر الشّريف من جعله هذه الأخلاق الملكوتيّة أجزاء من العلم وآلات له وأسبابا وأعوانا فكيف يكتفى في علم العالم والرّجوع اليه والاعتماد في الأحكام الشرعيّة بمجرّد اتّصافه بالعلوم الرسميّة وعدم اتّصافه بهذه الأخلاق الملكوتيّة قال المحقّق المدقّق ملَّا محمّد صالح المازندراني في شرحه على الكتاب ما صورته نبّههم على انّ العلم إذا لم تكن معه هذه الفضائل الَّتي بها يظهر اثاره فهو ليس بعلم حقيقة ولا يعدّ صاحبه عالما إلى أن قال بعد شرح الفضائل المذكورة ما لفظه وهو أربعة وعشرون فضيلة من فضائل العلم فمن اتّصف بالعلم واتّصف علمه بهذه الفضائل فهو عالم ربّاني وعلمه نور الهى متّصل بنور الحقّ مشاهد لعالم التّوحيد بعين اليقين ومن لم يتّصف بالعلم أو اتّصف به ولم يتّصف علمه بشيء من هذه الفضائل فهو جاهل ظالم لنفسه بعيد عن عالم الحقّ وعلمه جهل وظلمة يردّه