أن تأخذ كتابه بالعناية ; فصرت إليه ، فقال : سأكتب . فلمّا كان من الغد وجّه إليَّ بالكتاب ، فقلت لابني : وجّه به إلى فلان ففيه حاجته ، فقال : إنّ الجاحظ بعيد الغور فينبغي أن نفضّه وننظر ما فيه ، ففعل فإذا فيه : « كتابي إليك مع من لا أعرفه ، وقد كلّمني فيه من لا أوجب حقّه ، فإن قضيت حاجته لم أحمدك وإن رددته لم أذممك » فمضيت إليه من فوري ، فقال : علمت أنك أنكرت ما في الكتاب ، فقلت : أو ليس موضع نكرة ؟ فقال : لا هذه علامة بيني وبين الرجل في من أعتني به ، فقلت : لا إله إلاّ الله ! ما رأيت أحداً أعلم بطبعك من هذا الرجل ، أنّه لما قرأ الكتاب قال : « في أُمّ الجاحظ عشرة آلاف وأُمّ من يسأله حاجة » فقلت : يا هذا تشتم صديقنا ؟ فقال : هذه علامة في من أشكره [1] . وقال الحموي : خاصم يوماً علويّاً ، فقال له العلوي : تخاصمني وقد اُمرت أن تقول : « اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد » فقال لكنّي أقول : « الطيّبين الطاهرين » فتخرج أنت . وقال له رجل من ولد سعيد بن مسلم : إنّ أبي يبغضك ، فقال : يا بنيّ لي اُسوة بآل محمّد ( عليهم السلام ) [2] . هذا ، وفي خبر الكافي : كان مولى عبد الصمد عمّ المنصور [3] ، وفي تاريخ بغداد : كان مولى المنصور . والأصحّ ما في الخبر . وكيف كان : فهو مولى العباسيّين ; ولذا لمّا قال له المتوكّل - كما في الاُدباء - هل رأيت طالبيّاً حسن الوجه ؟ قال : نعم ، رأيت ببغداد منذ ثلاثين واحداً ، فقال المتوكّل : نجده كان مؤاجراً وكنت أنت تقود عليه ، فقال : يا أمير المؤمنين أو يبلغ هذا من فراغي أدع مواليَّ مع كثرتهم وأقود على الغرباء ! فقال المتوكّل للفتح : أردت أن أشتفي منهم فاشتفى لهم منّي . وقال له رجل من بني هاشم - أي العباسيّين - : بلغني أنك بغّاء ، فقال : وما أنكرت من ذلك مع قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) : « مولى القوم منهم » فقال : إنّك دعيّ فينا ، فقال : بغائي صحّح نسبي فيكم .