حبست كان ثَمَّ معلم يعلم الصبيان الخط بالرومية ، فتعلمت في الحبس الخط الرومي . وسمعته يقول : حفظتُ القرآن ولي سبع سنين ، وما من علم في عالم الله إلا وقد نظرتُ فيه ، وحصلت منه كله أو بعضه ، وتفرد في الدنيا بعلو الإسناد ورحل إليه المحدثون من البلاد . قال ابن الجوزي : كان حسن الصورة ، حلو المنطق ، مليح المعاشرة ، كان يُصلي في جامع المنصور ، فيجيء في بعض الأيام ، فيقف وراء مجلسي وأنا على منبر الوعظ فيسلّم عليّ . وأملى الحديث في جامع القصر باستملاء شيخنا ابن ناصر ، وقَرأت عليه الكثير . وكان ثقة فهمًا ، ثبتًا حجة ، متفننًا في علوم كثيرة ، منفردًا في علم الفرائض . وكان يَقُول : ما أعلم أني ضيَّعت من عُمري شيئًا في لَهو أو لعب ، وما من علم إلا وقد حصلت بعضه أو كله . وكان قد سافر فوقع في أيدي الروم ، فبقي في أسرهم سنة ونصفًا ، وقَيّدوه وجعلوا الغل في عنقه ، وأرادوا منه أن ينطق بكلمة الكفر فلم يفعل ، وتعلم منهم الخط الرومي . قال : وسمعته يقول : يجب على المعلم أن لا يعنف ، وعلى المتعلم أن لا يأنف . وسمعته يقول : من خدم المحابر خدمته المنابر . قال : وأنشدني : لي مدّة لا بُدّ أَبْلُغُهَا * فإذا انقضَتْ وتَصرَّمَتْ مُتُّ لو عَاندتني الأسدُ ضارية * ما ضرّني ما لم يجئ الوقتُ قال : ذُكر لنا أنّ منجمين حَضَرا حين وُلد ، فأجمعا أن عمره اثنتان وخمسون سنة . قال : وها أنا قد جاوزت التسعين . قال : ورأيته بعد ثلاث وتسعين صحيح الحواس ، لم يتغير منها شيء ، ثابت العقل ، يقرأ الخط الدقيق من بُعد . ودخلنا عليه قبل موته بمدَيدة ، فقال : قد نزلت في أذني مادة ، فقرأ علينا من حديثه ، وبقي على هذا نحوًا من شهرين ،