ثم زال ذلك ، وعاد إلى الصحة ثم مرض فأوصى أن يعمق قبره زيادة على ما جرت به العادة ، وقال : لأنه إذا حفر ما جرت به العادة لم يَصلوا إلي وأن يكتب على قبره " قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ . أَنُتُم عنهَ مَعرِضُون " ص : 68 ، 69 . وبقي ثلاثة أيام قبل موته لا يفتر من قراءة القرآن ، إلى أن توفي يوم الأربعاء قبل الظهر ثاني رجب سنهَ خمس وثلاثين وخمسمائة . وصلي عليه بجامع المنصور . وحضر قاضي القضاة الزينبي ، ووجوه الناس وشيعناه إلى مقبرة باب حرب ، فدُفن إلى جانب أبيه ، قريبًا من بشر الحافي رضي الله عنه . قلتُ : وحدّث القاضي أبو بكر بالكثير من حَديثه ، وسمع منه الأئمة الحفاظ وغيرهم ، وأثنوا عليه . قال ابن الخشاب عنه : كان مع تفرده بعلم الحساب والفرائض ، وافتنانه في علوم عديدة ، صدوقاً ، ثبتًا في الرواية ، متحريًا فيها . وقال ابن ناصر عنه : كان إمامًا في الفرائض والحساب ، وهو آخر من حدث عن البرمكي ، وذكر جماعة . وكان سماعه صحيحًا ، ومتعه الله بعقله وسمعه وبصره وجوارحه إلى حين وفاته . ولم يخلف بعده من يقوم مقامه في علمه . وكان قد خرجت له مجالس سنة ثمان عشرة ، فأملاها بالجامع من دار الخليفة . وقال ابن شافع : سمعتُ ابن الخشاب يقول : سمعتُ قاضي المارستان يقول : قد نظرتُ في كل علم حصلت منه بعضه أو كله ، إلا هذا النحو فإني قليل البضاعة فيه . قال ابن شافع : وما رأيت أبا محمد - يعني : ابن الخشاب - يعظم أحدًا من مشايخه تعظيمه له . وكان أبو القاسم بن السمرقندي يقول : ما بقي مثله ويطريه في الثناء .