نام کتاب : المستصفى نویسنده : الغزالي جلد : 1 صفحه : 286
مسألة ( الرد على منكري الاجتهاد ) في الرد على من حسم سبيل الاجتهاد بالظن ، ولم يجوز الحكم في الشرع إلا بدليل قاطع ، كالنص وما يجري مجراه ، فأما الحكم بالرأي والاجتهاد فمنعوه وزعموا أنه لا دليل عليه ، وإنما الرد عليهم بإظهار الدليل ، وما عندي أن أحدا ينازع في الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم ، فلا تصرف الزكاة إلا إلى فقير ويعلم فقره بأمارة ظنية ، ولا يحكم إلا بقول عدل ، وتعرف عدالته بالظن ، وكذلك الاجتهاد في الوقت والقبلة وأروش الجنايات وكفاية القريب ، وإن اعتذروا عن جميع ذلك بأن كل عبد مأمور باتباع ظنه في ذلك موجود قطعا ، والحكم عند الظن واجب قطعا ، فنحن كذلك نقول في سائر الاجتهادات ، وإن اعتذروا عن ذلك بأن ذلك ضرورة ، فإنما نزاعنا في معرفة مناط الاحكام بالرأي والاجتهاد ، فيستدل على ذلك بإجماع الصحابة على الحكم بالرأي والاجتهاد في كل واقعة وقعت لهم ولم يجدوا فيها نصا ، وهذا مما تواتر إلينا عنهم تواترا لا شك فيه ، فننقل من ذلك بعضه وإن لم يمكن نقل الجميع ، فمن ذلك حكم الصحابة بإمامة أبي بكر رضي الله عنه بالاجتهاد مع انتفاء النص ، ونعلم قطعا بطلان دعوى النص عليه وعلى علي وعلى العباس ، إذ لو كان لنقل ولتمسك به المنصوص عليه ولم يبق للمشورة مجال حتى ألقى عمر رضي الله عنه الشورى بين ستة وفيهم علي رضي الله عنه ، فلو كان منصوصا عليه وقد استصلحه له فلم تردد بينه وبين غيره ، ومن ذلك قياسهم العهد على العقد ، إذ ورد في الاخبار عقد الإمامة بالبيعة ، ولم ينص على واحد ، وأبو بكر عهد إلى عمر خاصة ولم يرد فيه نص ، ولكن قاسوا تعيين الامام على تعيين الأمة لعقد البيعة ، فكتب أبو بكر : هذا ما عهد أبو بكر ، ولم يعترض عليه أحد ، ومن ذلك رجوعهم إلى اجتهاد أبي بكر ورأيه في قتال ما نعى الزكاة ، حتى قال عمر : فكيف تقاتلهم ؟ وقد قال عليه السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها فقال أبو بكر : ألم يقل إلا بحقها ؟ فمن حقها إيتاء الزكاة ، كما أن من حقها إقام الصلاة ، فلا أفرق بين ما جمع الله ، والله لو منعوني عقالا مما أعطوا النبي عليه السلام ؟ لقاتلتهم عليه ، وبنو حنيفة الممتنعون من الزكاة جاؤوا إلى أبي بكر رضي الله عنه متمسكين بدليل أصحاب الظاهر في اتباع النص وقالوا : إنما أمر النبي عليه السلام بأخذ الصدقات ، لان صلاته كانت سكنا لنا ، وصلاتك ليست بسكن لنا ، إذ قال الله تعالى : * ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) * ( التوبة : 301 ) فأوجبوا تخصيص الحكم بمحل النص ، وقاس أبو بكر والصحابة خليفة الرسول على الرسول ، إذ الرسول إنما كان يأخذ للفقراء لا لحق نفسه والخليفة نائب في استيفاء الحقوق ، ومن ذلك ما أجمعوا عليه من طريق الاجتهاد بعد طول التوقف فيه ، ككتب المصحف ، وجمع القرآن بين الدفتين ، فاقترح عمر ذلك أولا على أبي بكر فقال : كيف أفعل ما لم يفعله النبي عليه السلام ؟ حتى شرح الله له صدر أبي بكر ، وكذلك جمعه عثمان على ترتيب واحد بعد أن كثرت المصاحف مختلفة الترتيب ، ومن ذلك إجماعهم على الاجتهاد في مسألة الجد والاخوة على وجوه مختلفة ، مع قطعهم بأنه لا نص في المسألة التي قد أجمعوا على الاجتهاد فيها ،
نام کتاب : المستصفى نویسنده : الغزالي جلد : 1 صفحه : 286