ويعضده الشهرة العظيمة المحققة والمحكية في كلام جماعة لا يقال الإجماع المنقول هنا ليس بحجّة لأن ناقله مجهول الحال فلعلَّه ممن لا يعتبر بنقله لفقد شرط من شرائط خبر الواحد فهو خبر مرسل والمرسل لا يصلح للحجيّة ومع هذا فقد قال في الوافية في مقام الطَّعن على هذه الحجة ولكنك عرفت عدم تحقق الإجماع في مثل هذه المسائل الأصولية وسيّما هذه المسألة لأنا نقول الظاهر أن الحاكي للإجماع ممن يعتمد على نقله وإنكاره مكابرة ولا يقصر هذا المرسل عن مراسيل ابن أبي عمير المقبولة على الأقرب سلمنا ضعف السند ولكنه ينجبر بالشهرة العظيمة الَّتي لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف كما ينجبر بها الرّوايات الضعيفة وأما ما ذكره في الوافية فضعيف في الغاية ومنها أن الحكم بجواز تقليد الميّت حكم شرعي فيتوقف على دليل شرعي وهو مفقود فيجب حينئذ على من وجب عليه لتقليده تمتاز على تقليد الحي لحصول العلم بالبراءة من التكليف الثابت يقينا معه دون غيره لا يقال هذا تمسك بالاحتياط وهو غير واجب لأنا نقول لا نسلم عدم وجوب الاحتياط مطلقا بل يجب فيما إذا تيقن التكليف وشكّ في المكلَّف به كما فيما إذا اشتبه القبلة والزّوجة بالأجنبيّة ونحو ذلك ومنه محلّ الفرض لأن التكليف بالتقليد ثابت لأن الكلام على تقدير وجوب التقليد والاشتباه إنما هو فيمن يصحّ تقليده فيجب الاقتصار على من علم بجواز تقليده وهو المجتهد الحيّ لاتفاق كلّ من أوجب التقليد على غير المجتهد على صحّة تقليده فلا يجوز تقليده فلا يجوز غيره وهو المطلوب وبتقرير آخر أن الذّمة قد اشتغلت بالعبادات ووجب على المكلَّف الإتيان بالمعاملات الصحيحة ليترتب عليها آثارها فيجب عليه تحصيل اليقين بالخروج عما اشتغلت ذمّته به يقينا في الأول وتحصيل اليقين بالإتيان بما هو مؤثر في الثّاني وهما يتوقفان على تقليد الحيّ لعدم الدّليل على صحة تقليد الميّت لاختصاص ما دلّ على صحّة التقليد بتقليد الحيّ وليس بشامل لتقليد الميّت كما أشار إليه في المعالم ومنها أن الأصل عدم جواز التقليد والعمل بغير العلم للعمومات الدّالة عليه من الكتاب والسّنة خرج منه تقليد المجتهد الحي ولا دليل على خروج تقليد المجتهد الميّت فيبقى مندرجا تحتها فلا يجوز ومنها أنه تعالى أوجب عند عدم العلم السؤال من أهل الذّكر لقوله تعالى * ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * ومن المعلوم أن الميّت لا يكون محلَّا للسؤال فلا يجوز الاعتماد على قوله وفيه نظر ومنها ما أشار إليه المحقق الشيخ على فقال إن المجتهد إذا مات سقط بموته اعتبار قوله شرعا بحيث لا يعتد به وما هذا شأنه لا يجوز الاستناد إليه شرعا أما الأول فللإجماع على أنّ خلاف الفقيه لسائر أهل عصره يمنع من اعتقاد الإجماع اعتدادا بقوله واعتبارا بخلافه فإذا مات وانحصر أهل العصر في المخالفين له انعقد الإجماع وصار قوله غير منظور إليه شرعا ولا معتدّا به وأما الثانية فظاهرة لا يقال إنما انعقد الإجماع في الفرض المذكور بموت الفقيه لأن المخالف حجيّة الإجماع عندنا إنما هي بدخول المعصوم في أهل العصر من أهل الحلّ والعقد وبموت الفقيه المخالف في الفرض المذكور يتبيّن أنه غير الإمام عليه السلام فيتعين دخول المعصوم في الباقين ولا يلزم من ذلك أن لا يبقى للميت قول شرعا لأنا نقول فعلى هذا يلزم من موت الفقيه المخالف انكشاف خطاء قوله فلا يجوز العمل به حينئذ من هذا الوجه فيتحصّل أن موت هذا الفقيه يقتضي عدم اعتبار قوله انتهى وفيه نظر واضح ومنها أنه لو جاز تقليد الميت لما وجب العمل بظن المجتهد وجاز العمل بما لا يظنه والتالي باطل فالمقدم مثله بيان الملازمة أن المجتهد إذا مات انعدم ظنه كما صرّح به المحقق الثاني والشهيد الثاني وجدّي قدس سره قائلين أنه يمتنع بقاؤه بعد الموت واحتج عليه الثاني بأنه من الأعراض المشروطة بالحياة والثالث بالبداهة وبأن الظن إنما هو الصورة الحاصلة في ذهنه فحين الشدة والاضطراب حالة النزع لا يبقى تلك الصورة قطعا بل وحين النسيان والغفلة أيضا فما ظنك بما بعد الموت حيث صار ذهنه جمادا لا حسّ فيه بل وترابا فكيف يبقى هذه الصورة ثم قال لا يقال لعلّ ظنه حصل في روحه وهو فارق الجسد لأنا نقول القدر الثابت المحقق هو الحاصل في الذهن ليس إلا وغيره يكون الأصل عدمه وبانعدام هذا الذهن انعدم الأمر الثابت جزما وحدوثه في ذهن آخر بهذه الصورة يكون الأصل عدمه وكذا في الروح والنفس بل الثابت عدم الحدوث بل إما أن لا ينكشف إلا ما كشف الله له وإما أن ينكشف الأشياء على النّفس وهو مع كونه خلاف ما يظهر من الأخبار من أن الميت يخفى عليه الأمر ليس تلك الصّورة بالبديهة ويحتمل الموافقة والمخالفة لما ظنه على حدّ سواء من دون ترجيح ولا استصحاب لأن الاستصحاب يشترط فيه وجود الأمر اليقيني وبقاء الموضوع واحتمال بقاء ذلك الأمر وأيّ فرق بين العدم السّابق والعدم اللاحق إذا لم يكن استصحاب هذا على ما هو ظاهر وبيّن ومحقق ومسلَّم من أن الاعتقاد للنّفس حادث يحصل في الذهن البتة سواء تأثر الروح أم لا أو لا يتأثر إلا بآلة الذهن ولو منع ذلك منكر بقول حصول الاعتقاد للنفس حادث يكون الأصل عدم وبمجرّد ثبوت أحد الأمرين لا يتعيّن أحدهما بالبديهة انتهى وأما بطلان التالي فلوجوه الأول ما دل على جواز العمل بقول الغير لا يشمل القول الذي لا يكون معتقدا للغير حين التقليد وإن تعلَّق اعتقاده به في وقت ما وقد أشار إلى هذا جده قدس سره فقال إذ الأخبار لا تشمل إلا ما يحكم به الفقيه وحين ما هو يحكم به مفت ومعتقد له لا ما لا يظن ولا يعتقده ولذا لو حصل له التردد بعد ما أفتى والشك فيه والتوقف لم يؤمن بتقليده فيما أفتى به سابقا بل حرم تقليده جزما ولم يكن فتواه حين الشك داخلا في