على الوجوب العقلي بأنّ معرفة اللَّه تعالى واجبة عقلا لكونها مما يتوقف عليه الواجبان العقليّان أحدهما دفع الضّرر المظنون و هو خوف العقاب في الآخرة حيث أخبر بذلك جماعة كثيرون و هو خوف ما يترتب في الدّنيا على اختلاف الأمم في معرفة الصّانع من المحاربات و هلاك النّفوس و تلف الأموال فإن هذا الخوف ضرر بآخر يقدر العبد على دفعه عن نفسه كان مستحقا لأن يذمه العقلاء ثم قال و ثانيها شكر المنعم ثم قال و قد يفسّر الضّرر المظنون بخوف زوال تلك النّعم عنه أيضا فإن قيل لا يسلَّم ظن الخوف في الأعم الأغلب إذ لا يلزمه الشّعور بالاختلاف و بما يترتب عليه من الضّرر و بالصّانع و بما ترتب في الآخرة من الثواب و العقاب و الأخبار بذلك إنما يصل إلى البعض و على تقدير الوصول لا رجحان لجانب الصّدق و لو سلم الخوف فلا نسلَّم أن تحصيل المعرفة يدفعه لأن احتمال الخطاء قائم لخوف العقاب و الاختلاف بحاله الجواب أن منع ظن الخوف مكابرة إذ الشّاعر بالاختلاف و بالصّانع و بما يتبع الشعور بها غالب لا محالة و ذلك معلوم عادة و إن لم يلزم عقلا العبرة بالوقوع لا اللَّزوم و كذا من لم يصل إليه الأخبار بذلك أقل قليل بل نادر جدّا و إذا وصل فاحتمال الصّدق كاف في ظن ضرر الخوف و لا يجب رجحانه كما لا يخفى على المتأمل أن احتمال الضرر كاف في احتمال الخطاء في المعرفة في نفس الأمر لا ينافي كون المعرفة المقطوعة الصّواب باعتقاد العارف دافعة لخوف الضرر مع أن سدّ طرق الخطإ مأمون لمراعات القانون العاصم و في شرح الباب الحادي عشر و متن التجريد التوبة دافعة للضرر و دفع الضرر واجب و إن كان مظنونا انتهى الثّالث ما ادعاه في الإيضاح من الإجماع على ذلك و يعضده ما ذكره في شرح الطَّوالع فقال في بحث الإمامة يجب علينا نصب الإمام سمعا لأن نصب الإمام يدفع ضررا لا يندفع إلا بنصب الإمام و كلما يدفع ضررا لا يندفع إلا به فهو واجب فنصب الإمام واجب أمّا الصّغرى فلأنا نعلم أن النّاس إذا كان لهم رئيس قاهر يخافون عقابه و يرجون كان لهم في التحرّز عن الضّرر و المفاسد أتم مما إذا لم يكن هذا الرّئيس و أن البلد إذا شعر عن رئيس قاهر يأمر بالطَّاعة و ينهى عن السّيئة و يدرأ بأس الظَّلمة عن المستضعفين استحوذ عليهم الشّيطان و ظهر و فشا فيهم الفسوق و العصيان و شاع الهرج و المرج فثبت أن نصب الإمام يدفع ضررا لا يندفع إلا به و أما الكبرى فلأن دفع الضّرر عن النفس بقدر الإمكان واجب بإجماع الأنبياء عليهم السلام و اتفاق العلماء و ما يدفع ضررا لا يندفع إلا به فهو واجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب قيل صغرى هذا الدّليل عقليّة من باب الحسن و القبح و كبراه أوضح عقلا من الصّغرى انتهى الرّابع أنه لو لم يجب دفع الضّرر المظنون لجاز تركه و هو مستلزم لترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح عقلا و كل مّا هو قبيح عقلا يجب تركه عقلا و نقلا الخامس ما أشار إليه في الإيضاح من أنه لو لم يجب دفع الضّرر المظنون للزم إلقاء النفس في التهلكة و هو حرام لقوله تعالى و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة السّادس أن دفع الضّرر المظنون قسم من أقسام الاحتياط لصدقه عليه حقيقة عرفا و لغة و قد وردت أخبار كثيرة متضمّنة للأمر به الموضوع للوجوب لغة و عرفا و شرعا كقوله عليه السلام خذ الحائطة لدينك و قوله عليه السلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك و غير ذلك من الأخبار و هذه الأخبار إمّا متواترة فلا إشكال في حجّتها و إن كانت دلالتها ظنية لأن هذا الظنّ من الظنون المخصوصة و يجوز أن يثبت بالظَّن المخصوص حجيّة غيره من الظنون غير المخصوصة و إما غير متواترة و لكنها متلقّاة بالقبول و مجمع على حجيتها فتأمل السّابع أنه لو لم يجب دفع الضرر المظنون بالعمل بالظنون المبحوث عنها لوجب ارتكاب الضّرر المظنون في جملة من الصور الَّتي يلزم فيها الحكم بوجوب ارتكاب ما ظن بضرره من ترك واجب أو فعل محرّم إذا لم نقل بحجية تلك الظنون باعتبار ظاهر كتاب أو ظاهر سنة متواترة أو قاعدة شرعية إذ لا إشكال في أنّه إن لم نقل بحجية تلك يلزم الرّجوع إلى دليل شرعي آخر غيرها و لو لم يكن مفيدا للعلم و التالي باطل لأن وجوب ارتكاب الضّرر المظنون ضرر في نفسه و مع ذلك فقد يكون ذلك مستلزما للحرج العظيم و كلاهما منفيان شرعا بالأدلة القاطعة من الكتاب و السّنّة و الإجماع و دليل العقل و قد يناقش في هذه الحجّة من وجوه الأول أنه يلزم عليها أمور منها لزوم العمل بخبر الفاسق و الكافر و قد أشير إلى هذا في جملة من الكتب ففي الذريعة في مقام رد الحجة المذكورة و بعد فهذه الطريقة توجب عليهم أن يكون الفاسق كالعدل و المؤمن كالكافر و أن يكون المعتبر حصول الظن من غير اعتبار الشروط الَّتي يوجبونها في خبر الواحد و لا أحد يقول بذلك و في الغنية في المقام المذكور على أنّ ذلك يوجب أن يكون الفاسق كالعدل و الكافر كالمؤمن من غير اعتبار ما شرطوا له و في المعارج في المقام المذكور و ما ذكروه منقوض برواية الفاسق لا بل رواية الكافر فإنّ الظن يحصل عند خبره انتهى و منها لزوم العمل بقول مدعي النّبوة و الإمامة من غير معجزة و دلالة و قد أشير إلى هذا في جملة من الكتب في المقام المذكور ففي الذريعة و هذه الطَّريقة أيضا توجب العمل على قول مدعي الرّسالة لهذا الضّرب من الاحتياط و التحرز به و في العدة أن الَّذي ذكروه غير صحيح من وجوه أحدها أن الاعتبار الَّذي اعتبروه يوجب عليهم قبول خبر من يدّعي النّبوة من غير علم يدلّ على ثبوته لأن العلَّة قائمة فيه و هي وجوب التحرز من المضار فأي فرق فرّقوا في ذلك فرقنا بمثله في خبر الواحد و في المعارج و يلزم على ما ذكروه وجوب العمل بقول