حاشية على المعالم بعد الاعتراض على ما في المعالم من دعوى انحصار القطعي في الضروري نعم هذا القدر من العلم لا يكفي التكاليف و الأحكام الشرعية التي يقطع بثبوتها و بقائها إلى يوم القيامة مع عدم التعيين عندنا بعنوان العلم كما أن القدر الضروري من الدّين و المذهب لا يكفي لسائر الأحكام الشرعية فلا بد من اعتبار الظن لعدم التكليف بما لا يطاق و عدم إمكان الخروج عن العهدة بعنوان اليقين مع أن عدم اليسر و السّهولة يكفي لعدم الحرج و اللَّه تعالى يريد منا اليسر و مما ذكر ظهر أن القرآن لو كان قطعي الدلالة أيضا لا يكفي و لا يفي و كذلك أصالة البراءة فلا حاجة إلى تجشم دعوى الظن في كل ما ليس بضروري و في كلام بعض الفضلاء أن طرق القطع منتفية في أكثر المسائل الفرعية فإما أن يكون التكليف بهذه المسائل ساقطا عنا و إمّا أن نكون مكلفين بها بظن يحصل بها من أيّ شيء كان أو بظن يحصل من سبب دون سبب و الأول باطل بالضرورة من الدين و الثاني بمعلوميّة عدم جواز العمل بالقياس و إن أفاد ظنا قويا فالثالث هو المتعين و ليس هذا السّبب هو الكتاب و الإجماع الذي ثبت حجيته منفردين لعدم كفايتهما في المسائل التي ليس لنا طريق القطع بل عدم دلالتهما إلا على قليل من تلك المسائل و لا منضمّين مع الأمارات و الدلائل العقلية الظنية لأنه لو فرض كون هذه الضميمة حجة شرعية مع بعده نقول لا تدل هذه الثلاثة أيضا إلا على قليل من تلك المسائل و المسائل الباقية التي لا دلالة لها عليها أضعاف ما تدل عليه فثبت جواز العمل بأخبار الآحاد التي اجتمع فيها شرائط جواز العمل قال الفاضل المحقق صاحب المعالم إن باب العلم القطعي منسد إلى آخره انتهى لا يقال لا نسلَّم الإجماع على بقاء التكليف بما انسدّ طريق العلم إليه من الأحكام الكثيرة الفرعية فإن الظاهر من جملة من كتب الخاصّة و العامة تجويز ارتفاع التكليف بما ذكر ففي الذريعة و العدة في بحث القياس في مقام ذكر أدلَّة القائلين بحجيّة استدلوا أيضا بأن قالوا إذا ثبت أنه لا بد في الفروع الشرعية من حكم لم نجد نصا و لا دليلا على حكمها فيجب أن نكون متعبّدين بالقياس و ربما استدلوا بهذه الطريقة من وجه آخر فقالوا قد ثبت عن الصّحابة أنهم رجعوا في طلب أحكام الحوادث إلى الشرع فإذا علم ذلك من حالهم في جميع الحوادث على كثرتها و اختلافها و صح أنه لا نص يدل على هذه الأحكام بظاهره و لا دلالة فليس بعد ذلك إلا القياس و الاجتهاد لأن التبحيت يمنع منه العقل و هذا الاستدلال يخالف الطريقة الأولى التي حكيناها عنهم لأنهم لم يرجعوا في هذا إلى إجماعهم على نفس القياس و الاجتهاد بل رجعوا إلى إجماعهم في طلبهم الأحكام من جهة الشرع و في الطريقة الأولى اعتبروا إجماعهم على نفس القول بالقياس فيقال لهم في الحوادث الشرعية حكم لكنه ما كان في العقل أو فيها حكم و لم نكلف بمعرفته أو لا حكم فيها جملة فكل ذلك جائز لا مانع منه أما تعلقهم بهذه الطريقة على الوجه الثاني الَّذي ذكروه و اعتقدوا أنهم تحرزوا به من المطاعن التي تدخل عليهم في الوجه الأول فيجري مجرى في الضعف من الأول و ذلك مبني على أنه لا نصّ يدل بظاهره و لا دليله و لا دلالة على أحكام الحوادث فيجب لذلك الرجوع إلى القياس فيها و دون ما ظنوه خرط القتاد لأنا قد بينا أن جميع ما اختلف فيه الصحابة من الأحكام له وجوه في النصوص و أن ما لا نقف على وجهه بعينه يمكن أن يكون له وجه و أن القطع على انتفاء مثل ذلك لا يمكن مما يستغنى عن إعادته على أن أكثر ما في هذا أن يكون جميع الحوادث التي علمنا طلبهم فيها للأحكام من جهة الشرع لا يدل حكم العقل فيها و أنه لا بد فيها من حكم شرعي ثم نقول إنهم ما رجعوا فيما طلبوه من جهة الشرع إلا إلى النصوص و على من ادعى خلاف ذلك الحجة فمن أين لهم أن جميع ما يحدث إلى يوم القيامة هذا حكمه و أنه لا بد من أن يكون المرجع فيه إلى الشرع و لا يجوز أن يحكم فيه بحكم العقل و لم إذا كانت الحوادث التي بليت بها الصحابة لها مخرج في الشريعة وجب ذلك في كلّ حادثة و هل هذا إلا تمنّ و تحكم على أنه قد روي عن بعضهم ما يقتضي أنه رجع إلى حكم العقل في مسألة و هو مسروق لأنه جعل مسألة الحرام بمنزلة تحريم قصعة من ثريد مما يعلم بالعقل إباحته و في العدة في بحث خبر الواحد و ليس لأحد أن يقول إذا لم يكن في السمع دلالة على الحادثة إلا ما تضمنه خبر الواحد وجب العمل بحكم العقل لأنا متى لم نعمل به أدى إلى أن تكون الحادثة لا حكم لها و ذلك لا يجوز لأنه إذا لم يكن في الشرع دليل على حكم تلك الحادثة وجب تبقيتها على مقتضى العقل من الحظر أو الإباحة أو الوقف و لا يحتاج إلى خبر الواحد و في الغنية في البحث المذكور و تعلقهم بأن الضرورة تقود إلى قبول أخبار الآحاد إذا حدثت الحادثة و ليس فيها عليها حكم منصوص ليس بشيء يعول عليه لأن الضرورة إنما تعود إلى ما هو حجة في نفسه فعليهم أن يدلوا على أن خبر الواحد بهذه الصّفة و عندنا لا حادثة إلا و على حكمها دليل يوجب العلم و متى فرضنا عدم الدليل رجعنا إلى حكم العقل فليس هاهنا ضرورة على ما ادعوه و قال في بحث القياس و تعلقوا أيضا بأن قالوا أيضا إذا ثبت أنه لا بد في الفروع الشرعية من حكم و لم نجد نصّا و لا دليلا على حكمها وجب أن نكون متعبّدين بالقياس و الجواب عن ذلك أن يقال لهم ما أنكرتم أن نكون متعبّدين في الحادثة التي لا نصّ على حكمها بأحكام العقول لأنه لو كان حكمها من التكليف السمعي لوجب في حكمة اللَّه تعالى الَّذي لا يجوز عليه الإخلال بالواجب أن يبينه فإذا فقد بيانه من جهته تعالى قطع بتخصيصه بالعقليات فيكون حكم هذا الحادث