و لأن القوة و الضعف يتفاوت باعتبار العدالة و قوتها و ضعفها و باعتبار القرائن و الأحوال و الوقائع فجاز أن يكون خبر المجهول يفيد ظنا قويا في واقعة و خبر العدل يفيد ظنا ضعيفا في غيرها فلا يبقى لوصف الجهالة أثر انتهى و فيه أن إيراده يختص بتقريره الذي أتى به في التهذيب و المنية أيضا و لا يرد على تقريرنا كما لا يخفى و قد يقرب منه ما في شرح المختصر فقال لنا الأدلة نحو لا تقف ما ليس لك به علم إن تتبعون إلا الظن دلت على المنع من اتباع الظن في المعلوم عدالته و فسقه و المجهول فخولف في المعلوم عدالته بدليل و هو الإجماع فيبقى فيما عداه معمولا به فيمنع اتباع الظن و منه صورة النزاع و هو المجهول و منها ما تمسّك به في التهذيب و المنية من إجماع الصّحابة على ردّ خبر المجهول قال في الثاني لأن عليا عليه السلام ردّ خبر الأشجعي في المفوضة و كان يحلف الرواة و رد عمر خبر فاطمة بنت قيس و قال كيف يقبل قول امرأة لا تدري أ صدقت أم كذبت و رد عمر أيضا خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان و هو قوله سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثا فلم يؤذن له و لينصرف حتى رواه معه أبو سعيد الخدري انتهى و أورد عليه في النهاية بمنع من الإجماع قال و رد علي عليه السلام خبر الأشجعي لعدم ظهور صدقه و لهذا وصفه بكونه بوّالا على عقبيه أي غير متحرز في أمور دينه و ردّ عمر خبر فاطمة لعدم ظهور صدقها و لهذا قال لا ندري أ صدقت أم كذبت انتهى و قد صرح بما ذكره في الإحكام أيضا و منها ما ذكره في النهاية فقال لنا الدليل ينفي جواز العمل إلا إذا قطعنا بأن الراوي ليس بفاسق ترك العمل به فيما إذا غلب على ظننا أنه ليس بفاسق بكثرة الاختبار فيبقى ما عداه على الأصل بيان الثاني أن عدم الفسق شرط في جواز الرواية فالعلم به شرط لأن جهل الشرط يقتضي جهل المشروط و بيان الفارق أن العدالة من الأمور الباطنة لا يمكن الاطلاع عليها حقيقة و إنما الممكن الاستدلال بالأفعال الظاهرة و هو و إن لم يفد العلم لكنه يفيد الظن ثم إن الظن الحاصل بعد طول الاختبار أقوى من الظن الحاصل قبله و لا يلزم من مخالفة الدليل للمعارض القوي مخالفته عند الضعيف ثم اعترض على هذا بما اعترض به على الحجة الأولى و منها ما ذكره في النّهاية أيضا فقال لنا أنه لما دل الإجماع على أن الصبا و الرق و الكفر و الحد في القذف موانع من الشهادة اعتبر في قبول الشهادة العلم بعدمها ظاهرا فكذا العدالة بجامع الاحتراز عن احتمال المفسدة ثم أورد عليه فقال إن الشهادة أضيق و لهذا اعتبر فيها العدد و الحرية و البصر و غير ذلك بخلاف الرّواية فلا يجوز الحمل عليها انتهى و أشار إلى ما ذكره من الإيراد في الإحكام أيضا و منها ما ذكره في النهاية أيضا فقال لنا أنه مجهول الحال فلم يقبل إخباره في الرواية دفعا لاحتمال مفسدة الكذب كالشهادة فإن منعوا شهادة المال فقد سلموا شهادة العقوبات ثم المجهول مردود في العقوبات و طريق الثقة في الرواية و الشهادة واحد ثم أورد عليه بأن احتمال الصدق مع ظهور الإسلام و السلامة عن الفسق أظهر من احتمال الكذب فيكون القبول أولى بخلاف الشهادة لوجوب زيادة الاحتياط فيها و صرح بما ذكره من الإيراد في الإحكام أيضا و منها ما ذكره في النهاية أيضا فقال لنا أنه أجمعنا على أن العدالة شرط في قبول الرواية عن النبي صلى الله عليه و آله و على أن بلوغ مرتبة الاجتهاد في الفقه شرط في قبول الفتوى فإذا لم يظهر حال الراوي بالاختبار فلا يقبل إخباره دفعا للمفسدة اللازمة من فوات الشرط كما إذا لم يظهر بالاختبار بلوغ المفتي رتبة الاجتهاد فإنه لا يجب على المقلد اتباعه ثم أورد عليه فقال فيه نظر لأن الشرط في العدالة تعين ظهور الإسلام و السّلامة عن الفسق ظاهرا و القياس ضعيف لأن بلوغ رتبة الاجتهاد أبعد في الحصول من حصول صفة العدالة و لقد كانت العدالة أبلغ وقوعا من رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية انتهى و صرّح بما ذكره من الإيراد في الإحكام أيضا و فيها ما ذكره في النهاية أيضا فقال و هنا وجوه أخر الأول الأصل عدم قبوله إلا بدليل و لا دليل عليه الثاني شهادة الفرع لا تسمع ما لم يعين الفرع شاهد الأصل و لو كان قول المجهول مقبولا لم يجب تعيينه الثالث ظهر من حاله عليه السلام طلب العدالة و الصدق و الفقه فيمن كان ينفذه إلى الأعمال و أداء الرسالة انتهى و أشير إلى الوجه الأول في التعليقة الجمالية فقال و يظهر من بعض المتأخرين الميل إلى العمل بخبر مجهول الحال و لا يخفى ضعفه إذ العمل لا بد له من دليل و لا دليل على جواز العمل بخبر مجهول الحال يصلح للاعتماد إذ شيء من الأدلة المذكورة لقبول خبر الواحد لا يجري فيه إذ الدليل الذي يصلح للتعويل عليه في هذا الباب ليس إلا الإجماع و عمل السّلف و ما ذكروه من انسداد باب العلم و أنه لا محيد عن العمل بالظن إلى آخر ما ذكروه فيه و ظاهر أنه لا إجماع على العمل بخبر المجهول و أنه لا يفيد ظنا يصلح للاعتماد على أن الآية الكريمة تدل على وجوب التبين عند مجيء الفاسق و ظاهره وجوبه عند مجيء فاسق في نفس الأمر لا من علم أو ظن فسقه إذ العلم و الظن غير داخل في مفهوم الألفاظ و ظن ذلك أيضا بناء على كفاية الظن في أمثاله و إذا لم يكن شيء من العلم أو الظن في مجهول الحال فيجب التبين في خبره و عدم العمل بمجرّده و فيه تأمّل لأن عدم دخول العلم أو الظن في مفهوم الألفاظ و لكن الحكم بوجوب المشروط في كلّ ما احتمل بتحقق الشرط فيه حذرا من تحققه فيه غير الإحكام بل الظاهر أنه لا يمكن الحكم بالوجوب إلا إذا علم تحقق الشرط فيه أو ظن ذلك أيضا بناء على القول بكفاية الظن في أمثاله و أما إذا لم يحصل العلم بتحقق الشرط فيه فلا يمكن الحكم بتحقق المشروط فيه بمجرد احتمال تحقق الشرط فيه لأصالة البراءة ما لم يحصل العلم أو الظن بوجود الشرط نعم الإتيان بوجود المشروط فيه يكون أحوط إذا لم يعارضه شيء