نقول المعلوم أن الأحب إلى أهل النار كلهم الموت في تلك الحالة و قد أخبر اللَّه تعالى عنهم جميعا و لم يخص أحدا منهم دون آخر فوجب القضاء بالعموم هذا و في الدّليل نظر لا يخفى انتهى و منها ما تمسّك به في المختصر و شرحه فقالا لنا أنه لا يزيد في دلالته على جزئيات الزّمان على دلالة قوله صم غدا على صوم غد و قد قدمنا أن ذلك قابل للنسخ فإذا جاز ذلك مع قوّة النصوصية فيما يتناوله فهذا مع احتماله أن لا يتناوله أولى بالجواز و للقول الثاني وجوه أيضا منها ما حكاه في النهاية و المنية و شرح المبادي عن المانع من النسخ مع قيد التأبيد مساو للتنصيص على المأمور به في كل وقت من الأوقات فكما أن نسخ الثاني ممتنع فكذا الأول و فيه نظر لأنا لا نسلم أنه موضوع للدّوام و عدم الانقطاع أصلا بل هو موضوع للزّمان الطَّويل و هو القدر المشترك بين المنقطع و غيره و قد أشير إلى هذا في جملة من الكتب ففي العدة في مقام الاحتجاج على ما صار إليه من الجواز هنا قول المخالف بعيد لأن لفظ التأبيد عندنا في الأمر لا يقتضي الدوام على ما تعورف استعماله لأن قول القائل لغيره لازم غريمك أبدا و لابنه تعلم العلم أبدا لا يقتضي عندهم الدوام و بفارق ذلك حال الخبر الذي يتناوله ما يصحّ الإدامة فيه على أنه صحيح الخبر أيضا لأنه لا يفيد الإدامة و لأجل ذلك يمنع أصحاب الوعيد من المعلومات بأن الوعيد المتضمن للفظ التأبيد و إذا لم يقتض ذلك فكيف يمنع من نسخه في ذلك و في الذريعة في المقام المذكور قول المخالف باطل لأن التأبيد في التعارف يقتضي التوقيت كقول القائل لازم الغريم أو تعلم العلم أبدا و قد ثبت أن التكليف منقطع و إن انقطاعه متوقع من وجوه فكيف يمنع هذا اللفظ من النسخ و لو منع من ذلك لمنع من العجز و وجه التعذر و في المعارج في المقام المذكور لأنه يستعمل فيما لا يراد به الدّوام فإنه يقال تعلَّم العلم أبدا و في النهاية و المبادي و التهذيب و المنية و غاية المأمول و الإحكام في مقام الجواب عن احتجاج اليهود على عدم نسخ شريعة موسى عليه السّلام بقوله تمسّكوا بالسّبت أبدا هو باطل لأن الأبد يطلق على الزمان الطويل بقوله في التوراة يستخدم العبد ثم يعرض عليه العتق فإن أبى يثقب أذنه و يستخدم خمسين سنة ثم يعتق في تلك السنّة و زاد في المنية فقال فإما أن يكون أحدهما ناسخا للآخر فثبت المطلوب و إلا ثبت أن الأبد يطلق على الزّمان المتطاول و زاد في النهاية فقال قال قاضي القضاة الأمر بالفعل لا يقتضي الدوام لعلمنا أن التكليف ينقطع و لهذا لا يفهم من قول القائل لغيره لازم فلانا أبدا احبسه أبدا و اعترضه أبو الحسين بأن التّأبيد يفيد الدّوام في الأوقات كلها و إنما يخصّها بعد الموت و العجز من الخطاب لدلالة و ما عداهما باق على الظاهر كما لو قال افعل في كلّ وقت إلى أن تعجز و تموت حيث ما يقوله مخالفا من العموم و فيه نظر فإنا نعلم أن التكليف كما ينقطع بالنسخ فإذا اقتضى الأوّل الخروج من الدّلالة اقتضاه الثاني و حينئذ لا منافاة بين كلام موسى عليه السّلام و بين النسخ كما لا منافاة بينه و بين الموت و العجز انتهى سلَّمنا أنه موضوع للدّوام الغير المنقطع و لكنه ليس نصّا فيه كما أن الأمر الموضوع للوجوب ليس نصا فيه و قد أشير إلى هذا في جملة من الكتب ففي العدة بعد ما حكينا عنه سابقا و لو أنه تناول ما قال لم يمنع ذلك من نسخه لأنه كان يدل على أنه لم يرد باللفظ ما وضع له فيجري النسخ مجرى التخصيص و في المعارج بعد ذلك سلمنا أنه حقيقة لكن ورود الناسخ يدل على أنه لم يرد الدوام و كما أن العام حقيقة في الاستغراق ثم مع ورود المخصّص يعلم أنه لم يرد فكذا هنا و في النهاية في مقام الجواب عن الحجّة المذكورة الجواب بالفرق بين ذكر الشيء مفصّلا و مجملا و لهذا جاز التخصيص في لفظ العام و إن تناول كلّ فرد بخلاف إخراج بعض الأفراد التي فصّلت ثم قال أيضا فإن ذلك يمنع من النسخ كلَّه لأن المنسوخ لا بد من كونه لفظا مفيدا للدّوام إما بنفسه أو بدلالة لامتناع وروده على المرّة ثم قال كما في الإحكام و أيضا يمنع تنزيله منزلة التنصيص على كلّ وقت بعينه بل في العرف يطلق على المبالغة كما في قولنا لازم فلانا أبدا و في المنية في المقام المذكور و الجواب المنع من المساواة فإن الأول قابل للتخصيص بالاستثناء و غيره و الثاني ليس كذلك انتهى سلمنا أنه نصّ في ذلك و لكن مع ذلك لا يمنع من النسخ كما أشار إليه في شرح المختصر فقال التأبيد معناه أنه دائم و النسخ ينفي الدّوام و يقطعه فكان متناقضا فلم يجز على اللَّه الجواب لا نسلم التناقض إذ لا منافاة بين إيجاب فعل مقيد بالأبد و عدم أبدية التكليف به و ذلك كما لا منافاة بين إيجاب صوم مقيد بزمان و أن لا يوجد الوجوب في ذلك الزمان كما يقال صم غدا ثم ينسخ قبله و ذلك كما يتعلَّق التكليف بالصّوم في غد ثم يموت قبل غد فلا يوجد في غد التكليف و منها ما حكاه في النهاية عن المانع من النسخ هنا من أنه لو أمر بالعبادة بلفظ يقتضي الاستمرار أو لمجاز فيه دخول النسخ عليه فلو جاز ذلك مع التقييد بالتأبيد لم يكن للتقييد به فائدة ثم أجاب عنه كما في الإحكام بالمنع من الملازمة فإن الفائدة تأكيد الاستمرار و المبالغة فيه و ذلك لا يمنع من النسخ كما لا يمنع تأكيد العام من تخصيصه و كما نعلم بعد التخصيص أن المراد بتأكيد العام المبالغة فيه كذا نعلم بعد النسخ أن المراد من التأكيد المبالغة في الاستمرار لا نفس الاستمرار و منها ما حكاه في النهاية من المانع