النسخ و لو لم يترجح الأخير فلا أقل من التوقف فيبطل الاستدلال نعم هذه الحجة تستقيم لو منع من جواز مفارقة البيان عن المبين مطلقا كما عزاه المحقق إلى الشيخ و لكنه محل نظر و منها أنهما لفظان متعارضان و علم التاريخ فوجب تسليط الأخير على الأول كما لو كان الأخير خاصا و فيه نظر لأنه قياس مع الفارق لأن الخاص المتأخر الوارد بعد حضور وقت العمل لا يكون إلا ناسخا إذ تجويز كونه لغوا باطل بخلاف العام المتأخر الوارد بعده فإنه يجوز أن يكون مخصّصا و ناسخا و التخصيص أولى لأن دلالة الخاص على مورده أقوى من دلالة العام و ذلك يوجب التسليط على العام تقدم أو تأخر كذا قيل و إن كان المدعى أن الأصل في كل متأخر أن يكون مسلَّطا على مقدمه فيطالب بدليله و منها أن تردد الخاص المتقدم بين كونه منسوخا و مخصّصا يمنع من كونه مخصّصا لأن البيان لا يكون ملتبسا و فيه نظر لأن التردد كما يمنع من التخصيص كذا يمنع من النسخ لاشتراط كون كل من المخصص و الناسخ معلوما فالدائر بينهما لا يتعين لأحدهما قطعا و منها الإجماع المحكي في العدة فإنه قال بعد حكمه بأن الخاص المتأخر ناسخ معللا بعدم جواز تأخير البيان عن حال الخطاب و كذلك لو كان المتقدم خاصّا و المتأخر عاما فإنه يكون ناسخا إلا أن يدل دليل على أنه أريد به ما عداه ما تقدمه من الخاص و هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم انتهى و فيه نظر للمنع من عدم الخلاف كيف و المخالف كثير و لعل دعوى عدم الخلاف راجعة إلى قوله إلا أن يدل دليل إلى آخره لا إلى قوله فإنه يكون ناسخا و حجة المتوقف أن كل واحد من هذين الخطابين أعم من صاحبه من وجه و أخصّ من آخر فإنه إذا قال لا تقتلوا اليهود و قال بعده اقتلوا المشركين كان بينهما عموم من وجه فإنّ قوله لا تقتلوا أخصّ باعتبار أن اليهود أخصّ من المشركين و أعمّ من حيث أنه يشمل الزّمان الَّذي لم يشمله المتأخّر و الذي يشمله و قوله اقتلوا المشركين أخصّ باعتبار عدم شموله لما شمله المتقدم من الزّمان و أعم باعتبار شموله لما لا يشمله المتقدم من الأعيان و إذا كان كلّ منهما أعمّ من وجه وجب التوقف و الرجوع إلى المرجح كما في تعارض العامين و الخاصين و أجيب عنه بأن العموم من وجه إنما يفرض باعتبار فرض كون المتقدم نهيا فإنه يعم الأزمنة أما لو فرض أمرا فإنه لا يقتضي العموم بل يكون خاصا باعتبار الأزمان و الأعيان لعدم إفادته التكرار فالنّهي المتأخر عنه يكون أعمّ من المتقدم في الأعيان و الأزمان و فيه أن محلّ البحث كما نطق به عبادات الأصوليين هو تحقق التعارض بين الخاص و العام و لا يكون إلا بعد كون الخاص المتقدم شاملا للزّمان شمله المتأخر و ذلك قد يكون باعتبار وضعه له كما إذا كان ذلك الخاص أمرا و قلنا بأنه يفيد التكرار وضعا أو باعتبار ظهور دليل يدل بظاهره على ذلك كما إذا كان الخاص أمرا و قام دليل من الخارج على إفادته التكرار أو باعتبار اقتضاء إطلاقه ذلك كما إذا كان ذلك الخاص أمرا مطلقا نحو أن يقول أكرم زيدا و لم يتمثل قبل ذكر العام فإنه بإطلاقه يدل على جواز الإتيان في أي وقت فيتعارض العام المتأخر و أما إذا امتثل و ذكر العام بعده فلا تعارض أصلا فلا يجوز الحكم بتخصيص العام حينئذ و ليس مثله داخلا في محلّ البحث فما ذكره المستدل إنما ينصب على محلّ البحث الذي دار الأمر فيه بالاتفاق بين النسخ و التخصيص و ليس مقصوده التوقف في كلّ ما إذا ورد خاص قبل عام كما لا يخفى المقام الرابع أن يجهل التاريخ فلا يعلم المتقدم و المتأخر منهما و هو ينحل إلى صور الأولى أن لا يعلم مع ذلك بورود أحدهما قبل حضور وقت العمل و اللازم حينئذ على مذهب من قال بالتخصيص في الصّور السّابقة القول بالتخصيص هنا أيضا و قد نبّه على هذا في المعارج فقال إذا جهل التاريخ بينهما فالَّذي يجيء على ما اخترناه أن يبني العالم على الخاصّ و لذا توقف بعض الحنفية لنا إما أن يكون مقارنا أو متقدما أو متأخرا و على التقديرات الثلاث وجب بناء العام عليه على ما قلناه و كذلك في صورة الجهالة لأنها لا تعد واحد الأقسام و كذا نبه عليه الأكثر لا يقال الحجة التي ذكرها في المعارج مدفوعة بما ذكره في النهاية فإنه قال بعد الإشارة إليها و تضعف بأن الخاص المتأخر إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام كان مخصّصا و إن ورد بعده كان ناسخا و حينئذ فإن كانا قطعيّين أو ظنيّين أو العام ظنيّا و الخاص قطعيّا وجب ترجيح الخاص على العام مترددا بين أن يكون ناسخا أو مخصصا و لو كان العام قطعيّا و الخاص ظنيّا فإن كان الخاص مخصصا جاز لما بيّنا من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد و إن كان ناسخا لم يجز العمل به فيكون مردودا فقد تردّد الخاص بين أن يكون مخصّصا و بين أن يكون ناسخا مقبولا و بين أن يكون ناسخا مردودا و حينئذ لا يجب تقدم الخاص على العام انتهى لأنا نقول هذا باطل لأن مجرّد دوران الاحتمال بين المذكورات لا يمنع من تقدم الخاص على العام بناء على لزوم ترجيح احتمال التخصيص حيثما تعارض مع احتمال النسخ لغلبة الأول كما هو بناء القائلين بالتخصيص في الصّور الثلاث السّابقة فالشرط عندهم في الحكم بالنسخ هو العلم بورود الخاص بعد حضور وقت