عصر ذروة الكمال ، ترى فيه من الأبحاث القيّمة والجواهر الثّمينة والدّرر المضيئة ما يبهر العقول ، وهي تشتمل على مباحث فريدة في نوعها ، وفيها ما تكون - تارة - جديدة على الفكر الأصولي تماما ، أي : أنها لم تبحث من قبل ، وأخرى تكون مغيّرة لما اختاره الأصحاب في أبحاثهم السابقة ببرهان قاطع وأسلوب فائق ، وثالثة تكون معدّلة لنفس ما اختاره الأصحاب ومصلحة له ببيان لم يسبق له نظير . فمن القسم الأوّل : ما جاء به من البحث الرائع لسيرة العقلاء وسيرة المتشرعة فقد تكرّر لدى أصحابنا المتأخرين رضوان اللَّه عليهم التمسك بالسيرة لإثبات حكم ما ولكن لم يسبق أحد أستاذنا - رحمه اللَّه - فيما أعلم في بحثه للسيرة وإبراز أسس كشفها ، والقوانين الَّتي تتحكم فيها ، والنكات التي ينبني الاستدلال بها على أساسها ، بأسلوب بديع ومنهج رفيع وبيان متين . ومن هذا القسم - أيضا - بحثه القيّم عمّا أسماه بنظريّة التعويض ، وهو وإن كان أقرب إلى فنّ البحوث الرّجالية منه إلى الأصول ، ولكنه قد بحثه بالمناسبة ضمن مباحث حجية خبر الواحد ووضّح فيه كيف أننا نعوّض - أحيانا - المقطع السندي المشتمل على الضعف البارز في سند الحديث بمقطع آخر غير بارز لدى الناظر بالنظرة الأوّليّة ، وهذا الأمر وإن وجدت بذوره لدى من تقدّم على الأستاذ - رحمه اللَّه - ولكن لم أر أحدا قبله يتعرض لهذه الفكرة على مستوى البحث العلمي ويدقّق في أسس هذا التعويض وأقسامه . ومن القسم الثاني : بحثه البديع في حجية القطع الذي أثبت فيه أن رأس الخيط في البحث إنما هو مولوية المولى وحدودها ، وانحدر من هذا المبدإ إلى الآثار التي تترتب على ذلك ، وانتهى إلى إبطال ما بنى عليه المحقّقون جيلا بعد جيل من قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وآمن بمنجزية الاحتمال ، وأن البراءة التي نؤمن بها هي البراءة الشرعية اما البراءة العقلية فلا . ومن هذا القبيل إبطاله لحكومة الأصول بعضها على بعض حينما تكون متوافقة في النتيجة ، كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدة الطهارة ، أو الأصل السّببي على الأصل المسبّبي الموافق له ، وكذلك إبطاله لحكومة الأمارة