وهنا أيضا من الواضح ان مجرد إدراك هذا الشخص ليس دليلا مباشرا على المطلوب . وكأنه ذكر ذلك لجبر النقص الذي أحسن به - ولو ارتكازا - في الوجه الأول من ثبوت جامع آخر من التعايش في المجتمع وملاحظة القوانين وما شابه ذلك ، ففرض شخص فاقد لذلك كي يكون توافقه لباقي العقلاء في درك الحسن والقبح دليلا على كون هذا الدرك نابعا من حاق الفطرة والنفس البشرية . ويرد عليه : أو لا : ان هذا صرف فرض وخيال ، ولم نجربه خارجا كي نرى هل يدرك هذا الإنسان الضرورة الخلقيّة أم لا . وهذا الفرض يقابله فرض الشيخ الرئيس - ابن سينا - حيث ذكر بصدد الاستشهاد على عدم ثبوت واقعية العقل العمليّ : أننا لو فرضنا شخصا وجد وعاش منفردا ، سوف لا يكون مدركا بعقله ولا بوهمه ولا بحسّه الحسن والقبح . والواقع ان كلا الفرضيين لا يفيدنا بحسب الفن شيئا . وثانيا : ان لو سلَّمنا في الجملة العلم بأن هذا الشخص سيختار الصدق ، فإن هذا العلم لو تحقق ، فإنما يتحقق لمن يدرك مسبقا واقعية الحسن والقبح . فإدراكه المسبق لذلك يجره إلى الاعتقاد بأن الإنسان الذي وجد وعاش منفردا سيختار الصدق . أما من لا يدرك واقعيّة الحسن والقبح فلا مبرّر له لدعوى العلم بأن هذا الشخص سيختار الصدق ، كي يجعل هذا دليلا على واقعية الحسن والقبح . وثالثا : لو سلَّم - رغم فرض عدم إدراكنا المسبق لواقعيّة الحسن والقبح - أن هذا الإنسان سيختار الصدق ، تطرق احتمال ان يكون اختياره للصدق لميل وغريزة نفسانية في الطبع البشري يدفعه نحو الصدق متى ما لم تكن له مصلحة في الكذب ، أو ان يكون اختياره للصدق لإدراكه بالعقل النظريّ مصلحة الصدق ومفسدة الكذب - على ما قاله الفلاسفة من كون إدراك مصالح الأمور الحسنة ومفاسد الأمور القبيحة