يتصوّر بعناوين غير ذاتيّة ، كوجوبه ، وإمكانه ، وسواده ، وبياضه ، وغير ذلك ، وهذه عناوين متأخّرة عن العناوين الأوّليّة ، وهي على قسمين : الأوّل - ما يكون انتزاعيا ، وهو ما يكون ظرف عروضه هو الذهن وظرف اتصافه هو الخارج ، كالوجوب والإمكان ونحوهما . وهذا هو المعقول الثانويّ في المصطلح الفلسفيّ . الثّاني - ما يكون أصيلا ، وهو ما يكون ظرف عروضه واتصافه هو الخارج كالسواد والبياض ونحوهما . وهذا هو المعقول الثانويّ في المصطلح المنطقي . فهل الضرورة الخلقيّة أو الحسن والقبح أمر انتزاعيّ ينتزع من الأمور الحسنة والقبيحة ، أو أنّ ظرف عروضها واتصافها معا هو الخارج ؟ فإن قيل بالأوّل : لزم انتزاع شيء واحد من أمور متباينة بما هي متباينة ، إذ الأفعال المتّصفة بالحسن أو القبح قد تكون متباينة بحسب المقولة والماهيّة ولا جامع بينها ، بل ربّما ينتزع هذا الشيء الواحد من الوجود والعدم ، فوجود الإكرام مثلا حسن ، وعدم الانتقام أيضا حسن ، بينما لا جامع بين الوجود والعدم . وإن قيل بالثّاني : لزم عدم اتصاف الأفعال قبل وجودها بالحسن والقبح ، إذ لا يعقل وجود العرض قبل وجود المعروض ، فقبل أن يضرب هذا الشخص اليتيم لا يقبح ضربه ، وقبل أن يكرمه لا يحسن إكرامه . وهذا - كما ترى - مناف لماهيّة الحسن والقبح والضرورة الخلقيّة ، وخلف للعقل العمليّ . ويرد عليه : أوّلا : أنّ هذا البرهان - كما ذكرنا - مصوغ وفق مباني الفلاسفة ، ولكن الإشكال في المبنى ، فإنّ لوح الواقع عندهم عبارة عن لوح الخارج . فكلَّما يدركه العقل إدراكا صحيحا وليس ظرف عروضه