وقد ورد كثيرا الإخبار بالعقاب على المخالفة فنقطع بثبوت العقاب ، بل بهذا الطريق يحصل لنا القطع بنفس الحسن والقبح لدلالة الأخبار أيضا على حسن الطاعة وقبح المعصية ، فإذا ثبت الحسن والقبح ثبت العقاب في المخالفة . والإيراد على ذلك بأنه ( لو سقط العقل عن الاعتبار سقط النقل أيضا لتوقفه عليه ) إيراد على المبنى ، ونقض وارد عليهم في باب العقل النظري ، وقد مضى ذكره . وهنا إنما نتكلم بلحاظ العقل العملي ، فنرى أن هذا النقض غير وارد عليهم بناء على مبانيهم . وأما الأشعري فلأنه وإن أنكر الحسن والقبح بمعنى الجهة المترتب عليها المدح والذم ، لكنه لم ينكر الكمال والنقص ودرك العقل لهما حتى في الأمور الخارجة عن الاختيار ، ولذا استدلوا على امتناع الجهل على اللَّه بأن الجهل نقص ، وأن النقص محال على الذات الواجبة الوجود ، فاستنتجوا من هاتين المقدمتين امتناع الجهل على اللَّه . ولا نريد البحث هنا عن مدى صحة هاتين المقدمتين ، ومدى إمكانية التفكيك بين درك الكمال والنقص ودرك الحسن والقبح ، وإنما نهدف للقول بأنهم على مبانيهم يمكنهم الجواب عن النقض بدعوى أن الكذب نقص بحكم العقل النظري ، والنقص محال على اللَّه بالعقل النظري أيضا ، فيثبت بذلك صدق الإنذارات الواردة من الشارع [ 1 ] . هذا مضافا إلى أن الأشعري يمكنه دفع النقض بالنسبة لكل من مسألتي الطاعة والمعرفة بما يتبنّاه من أن كل ما يصدر من الإنسان من