الناس ينتظرون الموكب بشوق ولهفة وكان تحشّدهم يزداد إذا كان هو الخطيب في ذلك اليوم . وأما إذا كان غيره ينفض عن الموكب الكثيرون منهم ، فقد كان لإلقائه حلاوة وتأثير غريب في نفوس الجماهير يزيده روعة صغر سنّه . في تلك السنين القليلة عرفنا باقر الصدر - وليتها كانت تطول - وعرفه الناس الذين يقصدون الكاظميّة من بغداد وضواحيها لحضور المواكب والمجالس الحسينيّة . وإنّنا زملاوه في المدرسة عرفناه أكثر في مواقفه هذه ، وعرفناه طالبا مثاليّا في سلوكه وفي جميع تصرّفاته . وما أتذكر أنّه كان له حسّد من الطلَّاب ، بل كان حبّهم له يطغى على كلّ شيء يتودّدون ويتقرّبون منه ، وذلك بسبب سلوكه العقلاني معهم وإضفاء حبّه وحنانه على من هو أصغر منه واحترامه لمن هو أكبر منه ، وكنّا نشعر - وإن كبرناه سنوات - لقد كان والله معجزة وآية من آيات خلق الله ، ولا أجدني مبالغا مهما قلت عنه وأطنبت في امتداحه والثناء عليه وتعداد حسناته وصفاته التي لم نجد نظيرا لها في سموّها لدى غيره من كلّ تلامذة المدارس . كان ينتحي زاوية من زوايا المدرسة انفرد هو بها ولم يقربها غيره احتراما له ، وذلك في كل استراحة بعد كل محاضرة في الصف ، وكان يلتف حوله في تلك الزاوية عدد من أترابه التلاميذ ورفاق صفّه أو من الصفوف الأعلى . كنّا نراقب هذا الاجتماع ونرقبه وهو يتحدّث إلى المحيطين وكلَّهم إصغاء له ، يتحدّث إليهم بهدوء ، ويلفّه هدوء ، ويغطَّيه سكون ، والكلّ صاغون إلى حديثه ، ساهمون مسحورون ، وقد أثارت فضولنا هذه الحالة وهذا الاجتماع ، فهممنا عدّة مرات لأن ننضمّ إليهم ولكنّ فارق السنّ - كما قلنا - كان يحول بين رغبتنا وبين تحقيقها . وجاء ذلك الذي لم أنسه ولن أنساه ، كان يوما جديدا لم يمر بنا مثله حين طغت علينا غريزة حبّ الاطلاع فاندفعنا - وكأنّنا مقادون - إلى حيث يعقد اجتماعه ، وانضممنا إلى الثلَّة التي كانت تحيط به ، وقد كانت خطواتنا هذه مفاجأة له ، سكت عندها قليلا عن الحديث ، وبعد أن ألقى علينا نظرات فاحصة - كأنّه كان يريد أن يقول لنا هل استمر في الحديث ؟ - وبعدها