المجاز المشهور لأنّه إذا جاز استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي بلا قرينة جاء الاحتمال الموجب للتوقّف والإجمال في جميع الاستعمالات فيشكل الفرق حينئذ بين القول بالتّوقف والقول بالحمل على المعنى المجازي فلا بدّ في إبداء الفرق بين المذهبين حينئذ أن يقال إنّ النزاع في المجاز المشهور صغرويّ ففرقة تمنع إمكان رجحان المعنى المجازي على الحقيقة قبل الوصول إلى درجة النقل والهجر وأخرى تدعي إمكانه مع التوقف في الاستعمال نظرا إلى عدم الاعتداد بذلك الرّجحان النّاشئ من كثرة الاستعمال وليس فيه كلّ البعد فاحفظ واغتنم والتّحقيق أنّ النّزاع صغروي بمعنى آخر كما يظهر من توجيه الأقوال الثلاثة بما ذكرنا وهو كون المجاز المشهور ظاهرا في المعنى الحقيقي أو المجازي أو مجملا فأبو حنيفة يدعي بقاء ظهور اللَّفظ في المعنى الموضوع له كما أنّ أبا يوسف يدّعي الظَّهور في المعنى المجازي والمشهور يقولون بالإجمال فمن زعم تسالمهم على ظهوره في المعنى المجازي وأن اختلافهم إنّما هو في الحكم بعد التّسالم عليه كما يشعر بذلك اعترافهم بتبادر المعنى المجازي واعتذارهم عنه بالاستناد إلى ملاحظة الشهرة فقد التبس عليه الأمر كلّ الالتباس كيف وبعد التّسالم على الظَّهور اللَّفظي لا ينبغي الخلاف في اعتباره إجماعا والعجب أنّهم مع توقفهم في المجاز المشهور كيف اعترفوا بتبادر المعنى المجازي حتّى اعتذروا عنه بما عرفت أم كيف فرقوا بينه وبين المنقول بما ذكرنا قبل التنبيهات ودعوى تألمهم على الظَّهور مع توقفهم في الحكم كيف يجامع دعواهم الإجماع بل الضّرورة على حجيّة الظواهر العرفية ففي كلماتهم تشويش من جهات لم أجد متفطَّنا لها واللَّه الهادي ويمكن التئام هذه الكلمات بأحد أمرين أحدهما أن يكون الملحوظ في الإيراد التّبادر الموجود في المجاز المشهور عند غير الملتفت بالوضع أو الغافل لا الملتفت مع قطع النظر عن الوضع على أن يكون مرادهم بتبادر المعنى المجازي مع قطع النظر عن الوضع الغفلة عنه لا مجرّد قطع النظر ولو مع الالتفات إلى الوضع فإنّ تسليم التّبادر في المجاز المشهور حينئذ يجامع القول بالتّوقّف مع العلم بالوضع والالتفات إليه كما يظهر بالتّأمّل والثّاني حمل كلامهم في المجاز المشهور بعد التّسالم على تبادر المعنى المجازي على الاختلاف في أنّه ظهور لفظي حتّى يتبع أو ظهور غير لفظي حتّى يلقى ويؤخذ بالمعنى الحقيقي أو يتوقف بينه وبين المجاز فأبو حنيفة يدعي كون التبادر في المجاز المشهور تبادرا حاصلا من أمارة خارجة عن الظَّنون اللَّفظية كالغلبة وأبو يوسف يدعي أنه من الظَّواهر اللَّفظيّة نظرا إلى أنّ اللَّفظ مع ملاحظة الغلبة تعدّ من الظَّواهر العرفية في المعنى المجازي والأكثر يدّعون الإجمال باعتبار منع الظَّهور أو منع كونه لفظيّا ثم إنّ الفرق بين المجاز المشهور والمنقول من حيث الماهيّة والحدّ قد ذكرناه قبل التنبيهات وأمّا الفرق بينهما من حيث العمل على وجه يثمر في الأدلَّة على القول الأوّل والثالث واضح لأنّ اللَّفظ إن كان مجازا مشهورا حمل على المعنى الأوّل عند أبي حنيفة ويكون مجملا عند المشهور وإن كان منقولا حمل على المعنى الثّاني على القولين وأمّا الفرق بينهما على القول الثّاني ففيه نظر وتأمّل لأنّ اللَّفظ على التقديرين يحمل على المعنى الثاني ويحتاج في حمله على المعنى الحقيقي إلى القرينة فلا ثمرة عمليّة بينهما في الأدلَّة ومثل هذا الإشكال يجري في المجاز المشهور الَّذي يتبادر منه المعنى المجازي لو قلنا بإمكانه كما سمعت عن المحقّق المذكور في تفصيله المزبور وقد يفرق بينهما كما في القوانين وغيره بأنّ القرينة الَّتي يحتاج إليها المعنى الحقيقي في المجاز المشهور نافية لحكم الشهرة الَّتي هي قرينة صارفة للفظ عن الحقيقة ومقتضى للحمل عليه في المنقول وهو كما ترى لا يترتب عليه ثمرة عمليّة كما لا يترتب أيضا على الفرق المتقدّم من استناد تبادر المعنى الثّاني في المجاز المشهور إلى ملاحظة الشّهرة وإلى نفسها من دون توسيط الملاحظة في المنقول وأمّا الفرق بينهما بجواز استعمال اللَّفظ في المعنى الحقيقي بلا قرينة في المجاز المشهور أخذا بمقتضى بقاء الوضع بخلاف المنقول فإنّه لا يجوز فيه ذلك إلا بالقرينة كما ذكره المحقّق القمي رحمه الله أيضا فهو أيضا لا يثمر في مقام العمل وفي الأحكام مضافا إلى ما فيه من البعد أو الاستحالة الواضحة لأنّ ذكر اللَّفظ وإرادة خلاف الظَّاهر لا يفرق في قبحه وامتناع صدوره من الحكيم بين الظَّاهر الحقيقي والمجازي وكيف كان فلا يذهب عليك أنّ البحث في المجاز المشهور مختصّ بغير الخطاب الشّفاهي الَّذي يحتمل فيه احتفافه بقرينة المراد فلا يجري في الخطابات الشّفاهيّة لأنّ التكلَّم بالمجمل العرفي في مقام التّفهيم والتفهّم بدون قرينة المراد نقض للغرض فيستحيل صدوره من المختار فضلا عن العاقل والحكيم فافهم واستقم الثّاني أنّ هذه العلامة كما تجري في المدلول المطابقي كذلك تجري في المدلول الالتزامي والتضمّني فيثبت بها أنّ المدلول المطابقي يلزمه ذلك اللَّازم أو يتضمّن ذلك الجزء ولذا يستدلّ بالتّبادر على دلالة الأمر على الوجوب بالالتزام وعلى دلالة الجملة الشرطية على الانتفاء عند الانتفاء كذلك لأنّ عدم الرّضا بالتّرك لازم لمدلول الأمر المطابقي أعني الطَّلب المتأكَّد وكذا الانتفاء عند الانتفاء لازم للعليّة الَّتي تدلّ عليها الجملة الشرطية بالمطابقة ومن هنا قد يخالج بالبال كما اختلج قد خلج ببال بعض ورود الإشكال على هذه العلامة لأنّها تجري في اللَّازم مثلا مع عدم كونه معنى حقيقيّا وكذا المدلول التضمّني ولكنّه هيّن لأنّ التبادر دليل على كون فهم المتبادر مستندا إلى وضع الواضع لا إلى القرينة فيختلف الاستناد على حسب اختلاف التبادر فإن كان تبادره من اللَّفظ على وجه الاستقلال أي بدون تبعيّة تبادر شيء آخر دلّ على كون المتبادر معنى استقلاليّا للفظ وإن كان على وجه التّبعيّة دلّ على استناده إلى الوضع تبعا فكلّ قسم