لأنّ اللَّفظ المحفوف بما يصلح للصّارفية ليس من الأمارات النوعيّة أيضا فافهم وانتظر لبقيّة الكلام في المقام الثاني هذا ثم إنّ لبعض محققي المتأخرين تفصيلا في المقام قد سبق إليه الإشارة في مبحث الوضع ونزيد هنا ونعيد ونقول إن حاصل ما ذكره أنّ الشهرة لها درجات خمسة الشّهرة البالغة إلى حدّ صلاحيّة التعيين دون الصّرف فيثمر فيما لو قامت قرينة صارفة فإنّها تصير حينئذ مرجّحة للمجاز المشهور على ما سواه والشّهرة البالغة إلى حدّ المصادمة مع الظَّهور الوضعي بعد ملاحظتها والشّهرة البالغة إلى حدّ الرجحان عليه مع ملاحظتها أيضا والشّهرة البالغة إلى حدّ إجمال اللَّفظ بدون ملاحظتها مع رجحان المجاز بملاحظتها والشّهرة البالغة إلى حدّ رجحان المجاز أيضا بدون ملاحظتها فكيف معها قال اللَّفظ في المراتب الثّلاث الأول باق على حقيقته لانصراف اللَّفظ إلى الحقيقة بدون ملاحظتها بل ومع ملاحظتها في الأولى دون الثانية والثّالثة لأنّه في الثّانية بملاحظتها مجمل وفي الثالثة محمول على المجاز في المرتبة الرّابعة والخامسة منقول إلى المعنى الثّاني أقول أمّا ما ذكره في المرتبة الأولى وحاصله الفرق بين القرينة المعيّنة والصّارفة وصلاحيّة الشّهرة في تلك المرتبة للثّاني دون الأوّل فهو مبني على ما اشتهر من أنّه إذا تعذّر الحقيقة فأقرب المجازات والكلام بعد في صحّته لأنّ الشّهرة إن كانت حجّة فصالحة للأمرين وإلَّا فكيف تكون قرينة التّعيين ولذا لا يحمل المشترك على أشهر معانيه كما صرّح به المحقّق القمّي رحمه الله إلَّا أن يقال بأنّه لا ملازمة بين الأمرين لأنّ الصّارفة مصادمة للأصالة الحقيقة والمعيّنة غير مصادمة لها ولا يبعد في اعتبار شيء عند العقلاء في مباحث الألفاظ إذا لم يعارضه دليل فالغلبة ما يعتدّ به العقلاء إذا لم يكن في مقابلها أصل لفظي لا مطلقا أو يقال إنّ اللَّفظ بعد قيام القرينة الصّارفة تصير من الظَّواهر الثّانوية في المجاز الَّذي غلب استعماله فيه بالنّسبة إلى سائر المجازات وهو حسن وأمّا ما ذكره في المرتبة الثّالثة ففيه أيضا إشكال لأنّ الشّهرة إذا لم تكن بالغة حدّ النّقل فكيف توجب حمل اللَّفظ على المجاز وأيّ دليل على اعتبارها فإن قلت الدّليل على اعتبارها أن بملاحظتها يكون اللَّفظ من الظَّواهر العرفية في المعنى المجازي المشهور والظَّواهر اللَّفظية حجّة إجماعا قلنا إذا كانت الشّهرة بحيث تجعل اللَّفظ من الظَّواهر العرفية فيكون اللَّفظ حينئذ من المنقولات لأنّا لا نعني بالمنقول إلَّا ما كان ظهوره في المعنى الأوّل منقلبا إلى ظهوره في المعنى الثاني في العرف بسبب كثرة الاستعمال فإن قلت المنقول ما كان ظاهرا في المعنى الثّاني بدون ملاحظة الشّهرة وقد فرض هنا توقف الظَّهور على ملاحظتها فالفرق حاصل قلنا لا تأثير للملاحظة وعدمها في الشّهرة البالغة إلى حدّ حصول العلاقة بين اللَّفظ والمعنى كما يشهد به المراجعة إلى الوجدان فإن غلبة الاستعمال إن بلغت إلى ذلك الحدّ فلا يتوقف على ملاحظتها وإلَّا فلا ينفع الملاحظة وفيه تأمّل وأمّا قوله بالنقل في المرتبة الرابعة فقد تقدم تزييفه في مبحث الوضع بما لا مزيد عليه لأنّ التّردد بين المعنى الأوّل والمعنى الثاني مع قطع النظر عن الشّهرة مبني على عدم اعتبار الهجر في المنقول وإمكان بقاء المنقول منه على حاله مع تجدّد وضع آخر بسبب كثرة الاستعمال وقد ذكرنا ما فيه من البعد عن كلمات القوم لظهورها في عدم تحقق النّقل إلا بعد هجر الأوّل كما هو ظاهر عبارة المعالم ورضي به المحشّون غيره قدس سره بل عن الاعتبار السّليم أيضا لأنّا نجد فرقا بين التعيين وكثرة الاستعمال في أنّ الأوّل يمكن أن يكون سببا لحصول العلاقة بين اللَّفظ ومعنيين فصاعدا في مرتبة واحدة وحال واحد بخلاف الثّاني فإنّ سببيّته لحدوث العلاقة بين اللَّفظ والمعنى بعد أن كانت العلاقة الوضعيّة منحصرة في غيره لا يخلو من بعد عقليّ أو عادّي فتأمّل جيّدا وربما يظهر هذا التفصيل من السيّد الصّدر في شرح الوافية قال بعد أن ذكر أن المعنى الأوّل هو الأصل في الإفادة قبل تجدّد معنى آخر ثم إن غير المعنى الأصلي قد يكون مجازا ويدخل فيه التّخصيص والإضمار وقد يكون حقيقة من غير هجر الأوّل وهو المشترك سواء كان من واضع واحد أم متعدّد وقد يكون مع الهجر وهو المنقول إليه وجميع هذا يكون من عوارض الوضع إلى أن قال والمجاز الغالب الَّذي هجر معه الحقيقة ملحق في هذا المقام بالحقيقة كما أن المجاز المساوي يصير اللَّفظ بسببه مشتركا لكن لا يبعد أن يكون المراد بالاشتراك التوقف الَّذي هو أثر الاشتراك كما هو القول في المجاز المشهور وليس المراد هو الاشتراك الحقيقي في المجاز المساوي والقول بحصول النقل بدون هجر المعنى الأوّل ليرجع إلى مقالة المفصّل بل الَّذي يظهر من التّأمّل في كلامه خصوصا بعد ملاحظة تصريحه باعتبار الهجر في المنقول قبل ذلك أنّه أراد بالمشترك الَّذي جعله من أقسام الحقيقة في صدر كلامه المرتجل وبالنقل ما حصل بالوضع التعييني وأراد بالمجاز الغالب النقل الحاصل بكثرة الاستعمال لا بتخصيص مخصّص وأراد بالمجاز المساوي المجاز المشهور الَّذي حكمه التوقف عند الأكثر وأنّ المراد بالاشتراك هو التوقف بل لو أطلق الاشتراك عليه حقيقة لم يكن بغريب غاية الأمر أن يقال إن الاشتراك المصطلح ما كان الترديد بين المعنيين فيه بسبب تعيين الواضع فلا يطلق على ما إذا حصل التّردد بسبب الاستعمال وهو سهل مع أنّك عرفت سابقا أن الاشتراك له إطلاق آخر أعمّ من المنقول والمرتجل هذا ثمّ إن ظاهر المحقّق القمّي رحمه الله أنّ القائل بحمل المجاز المشهور على المعنى المجازي أيضا لا ينكر جواز استعمال اللَّفظ في المعنى الحقيقي بلا قرينة اتكالا على الوضع كالقائل بالتوقف فيمتاز عن المنقول حينئذ على القولين لأنّ النقل يمنع عن جواز استعماله في الحقيقة المرجوحة بلا قرينة وهذا يستفاد منه أمران أحدهما ما قلنا من اعتبار الهجر في النقل والثّاني لزوم التوقف على القولين في