الَّذي يفيده الأصل والحكم الواقعي الَّذي يدلّ عليه الخبران المتعارضان لا سنخية بينهما فكيف يحصل التعاضد والتقوية بالموافقة أو المخالفة وهذا مثل ما لو تعارض الخبران في وجوب إكرام زيد وورد أيضا خبر في وجوب إكرام عمرو فهل يدعي عاقل اعتضاد الخبر الدالّ على إكرام زيد وبرجحانه على معارضه بسبب الخبر الوارد في وجوب إكرام عمرو واستدلّ صاحب المفاتيح رحمه الله على مختاره في هذه الصّورة بوجوه أحدها أنّه لو قدّمنا النّاقل فقد ارتكبنا تخصيص أحدهما في عموم دليل حجيّة المقرر والنافي في عموم حجيّة الأصل وارتكاب الأوّل تخصيصا وثانيها أن الخبرين يتساقطان بالتعارض فيبقى الأصل سليما عن المعارض وثالثها أن الأصل يفيد حكما ظاهريّا فيقوى الخبر الَّذي أفاد الظنّ بالحكم الواقعي لتطابقهما وتوافقهما وحيث إنّ هذه الوجوه لا تنهض بالمدّعى على فرض صحّتها مع وجود أدلَّة التخيير بين المتكافئين كما لا يخفى التفت إلى جوابه فقال إنّ أكثر هذه الأدلَّة ضعيف السّند والصّحيح منها لا يشمل إطلاقه لمحلّ البحث ولو سلَّم وقع التعارض بينه وبين دليل الأصل والنّسبة بينهما عموم من وجه والترجيح لأدلَّة الأصل بكثرتها والاعتماد عليها في كثير من الموارد وشذوذ القول بالتخيير هنا كما لا يخفى مع كونه أحوط فإنّه لا ينافي القول بالتخيير وأن ينافي القول بترجيح المخالف انتهى مهذبا وأنت بعد الإحاطة بما ذكرنا تعرف ما في كلامه رحمه الله من الأبحاث والمناقشات خصوصا ما ذكره أخيرا من المعارضة بين الدليلين وترجيح أدلة الأصول لأنّا لو بنينا على عدم التخيير إذا كان أحد الخبرين موافقا للأصل وكذا فيما لو دار الأمر بين الوجوب والحرمة كما هو المعروف ويأتي الكلام فيه انحصر مورده في المعاملات وهو باطل بالإجماع المركَّب إذ كلّ من قال بالتخيير في تعارض الخبرين قال به في العبادات والمعاملات معا أو في العبادات دون المعاملات أو بالعكس فلا قائل به في القائلين بالتخيير وقد يجاب بأنّ مورد الأصل ما إذا فقد الدّليل الاجتهادي مطابقا له أو مخالفا له فلا مورد للأصل إلَّا بعد فرض تساقط المتعارضين لأجل التكافؤ والمفروض هو التخيير دون التساقط على تقدير التكافؤ وفيه أنّه مصادرة وقد يوجّه بأنّ ما دلّ على التخيير حاكم على الأصل فإنّ مؤدّاه جواز العمل بالخبر المخالف له فكما أنّ ما دلّ على وجوب العمل بالخبر الغير المعارض بمثله حاكم عليه فكذلك ما دلّ على جواز العمل به مع المعارض من غير فرق وهذا حسن لو كان مفاد أخبار التخيير هو جعل الحكم الظاهري في المسألة الأصولية أعني حجّية الخبر وأمّا لو كان مفادها جعلها في المسألة الفرعية الَّتي تعارض فيها الخبران كما عرفته مفصّلا في تنبيهات البحث عن التخيير فلا حكومة بينهما كما لا يخفى بل معنى جعل الحكم الظاهري على خلاف ما يقتضيه الأصل مثل الحكم بنجاسة البلل المشتبه في مورد استصحاب الطهارة فلا بدّ من ملاحظة النّسبة فإن كانت بالعموم والخصوص كما في البلل المشتبه تعيّن تخصيص دليل الأصل وإلَّا فلا وقد يجاب بعد المماشاة وتسليم التعارض وعدم الحكومة بأن الترجيح لأخبار التخيير من وجوه أحدها أنّه أقلّ أفرادا من عمومات الأصول فيكون أقوى دلالة كما صرّح به غير واحد وثانيها أنّ التخصيص في أخبار التخيير يوجب إخراج أكثر أفرادها بخلاف التخصيص في أدلَّة الأصول وهذا إن رجع إلى ما ذكرنا أوّلا من الدليل على ترجيح أخبار التخيير وإلَّا ففيه بحث لأنّه إن أريد به تخصيص الأكثر المستهجن فليس كذلك كما لا يخفى وإن أريد به ما دونه ففي كونه سببا للترجيح نظر وإن قاله غير واحد وثالثها أنّ بعض أخبار التخيير وارد في محلّ الفرض كمكاتبة عبد اللَّه بن محمّد الواردة في فعل ركعتي الفجر في المحمل ومكاتبة الحميري المروية عن الإحتجاج في التكبير عند الانتقال من حال إلى حال من أحوال الصّلاة وهو حسن إلَّا أن أهل المداقة في أسانيد الأخبار لا يرضون بالمكاتبة في المسألة الأصولية وكيف كان فلا إشكال في التخيير في هذه الصّورة ولا ينافيه بناؤهم على الترجيح بالأصل في الفقه لأنّ الظَّاهر اختصاص ذلك بالقسم الثاني لا في مثل أصالة الطَّهارة الَّتي ترجع إلى الحكم الظَّاهري التعبّدي كما لا ينافيه اشتهار عدم التخيير إمّا بترجيح مخالف الأصل الَّذي هو المشهور أو بترجيح موافقه فأمّا أولا فلما ذكرنا من أنّ محلّ البحث عندهم غير المقام الَّذي نحن فيه وأمّا ثانيا فلأنّ الوجوه المذكورة لترجيح أخبار التخيير راجعة إلى الترجيح في الدّلالة الَّذي يرجع إلى قاعدة الجمع وقد عرفت غير مرّة أنّ الشهرة لا تصلح موهنا ولا معارضا لقوة الدّلالة وإنّما الإشكال في الصّورة الثانية أعني ما لو كان الأصل من الأصول اللَّفظية والقواعد العامة الاجتهاديّة عكس ما عهده قدّس سرّه فإنّ هذه الصّورة هي الَّتي ينبغي الإشكال فيها لا الصّورة الأولى الَّتي لا إشكال في التخيير فيها والأظهر في هذه الصّورة أيضا التخيير كما تقدّم في الترجيح بموافقة الكتاب إذا كان الخبر المخالف أخصّ وأشرنا إليه آنفا وحاصل ما ذكرنا أنّ بناء الترجيح إن كان على الظن كما هو صريح مذهبه فلا يحصل الظن من العمومات إذا كان لها مخصّص سواء كان له معارض أم لا ضرورة توقف حصول الظنّ من العام على عدم المخصّص كتوقف حصوله عن كلّ أصل لفظي على عدم القرينة فلو شككنا في وجودها فالشكّ كاف في عدم حصول الظنّ من العام وإلَّا لزم اختلاف حال العلَّة والمعلول في الظنّ وهو مستحيل بالبداهة وكيف يحصل الظَّن بالنّهار مثلا مع الشكّ في طلوع الشمس وما يقال من أنّ اعتبار أصالة العموم وغيرها من الظواهر غير منوط بالظنّ