هنا كان العمل بهذه الأخبار واجبا سليما عن المعارض وهو واضح ومنها أنّ هذه الأخبار كلَّها من قبيل الخطابات الشفاهية فلا يتعلَّق بالغائبين إجماعا إذ الخلاف في الشمول وعدمه إنّما هو في خصوص خطابات الكتاب لتشبيهه بتأليف المؤلَّفين فلا بدّ في احتراز ما فيها من وجوب الترجيح بالوجوه المذكورة في حقنا من ضمّ قاعدة الاشتراك ولا ريب في اشتراطها باتحاد الموضوع كما تحقق في محلَّه وهذا الشرط غير حاصل هنا لأنّ العمل بالترجيح حكم ظاهري والأحكام الظاهريّة مختلفة باختلاف الأحوال من العلم والظَّن والشكّ والعجز والقدرة فمن الجائز اختصاص المخاطبين في العلم بأحوال الرّواة في عصرهم وفهم الكتاب والسّنة وأقوال المخالفين بما هو غير حاصل لنا كيف وغاية ما تيسر لنا تحصيل الظَّن من علم الدّراية بصفات الرّواة وكونها في بعض أقوى منها في الآخر ومن التفاسير الظن بمعاني الكتاب ومن المراجعة إلى كتب العامة والخاصة الظَّن بمذاهبهم ومن الرّجوع إلى التواريخ الظَّن بمخالفة الرّواية لفتوى فقيه عصرها الَّذي يفتي عنه الإمام المروي عنه وأين هذا من العلم بهذه الأمور بالحسّ أو الوجدان فكيف يحكم باشتراكها مع المخاطبين المنفتح لهم باب العلم بها والظن المتاخم له أو الأقوى ممّا يحصل لنا من الظَّن وأيضا من الواضح اختلاف حال الرّوايات عندهم وعندنا من حيث قلَّة الوسائط وكثرتها فالموضوع من هذه الجهة أيضا مختلف ومنها أن المستدل بهذه الأخبار إن أراد إثبات الترجيح بالمرجّحات المنصوصة خاصّة الَّتي هي محلّ التعارض من حيث عناوينها المخصوصة ففيه أنّها متعارضة ساقطة عن الاعتبار كما عرفت ودعوى نهوضها بالمدّعى في غير مادّة الإجماع الَّذي نحن بصدده كما سبق مدفوعة بأنّ العمل فيه بها أيضا مشكل لما فيه من حمل الإطلاقات على الفروض النادرة وتأخير البيان عن وقت الحاجة وكيف يحمل إطلاق الأمر بأخذ المشهور على ما لو تساويا في صفات الرّاوي وسائر المرجحات أو بالعكس مع ورودها في مقام البيان وإن أراد إثبات الترجيح على سبيل الإطلاق فهي قاصرة عن ذلك إلَّا بتنقيح المناط الممنوع على المدّعى بل مقتضى إطلاقها اعتبار هذه المرجّحات مطلقا إفادة الظن أولا وهذا ينافي البناء على الترجيح على مطلق الظنّ نظير منافاة إثبات حجّيّة الأخبار بحجّيّة مطلق الظن حال الانسداد فلا بدّ لمن لا يقتصر على هذه المرجحات ويتعدى إلى كلّ مرجح من توجيه الأخبار بما يرجع إلى الظنّ بالترجيح مطلقا ومن هنا يظهر أن ترديد بعض الأجلَّة بعد نقل الأخبار في كون اعتبارها تعبّدا محضا أو منوطا بإفادتها مطلق الظَّن أو ظنا مخصوصا من ظهور الأخبار في الاقتصار عليها ومن دلالة فحواها على إناطة الترجيح بالظَّن ليس في محلَّه لأنه كلام من يقتصر على هذه المرجحات خاصّة ولا يتعدّى إلى غيرها فصدور مثل ذلك عنه ناشئ عن سهو القلم إذ بعد البناء على التعدي لا بدّ من الخروج عن ظاهرها وحملها على ما يرجع إلى العمل بمطلق الظن في باب الترجيح واحتمال إمكان الجمع بين الأمرين بأن يقال أمّا لترجيح بغير هذه المرجحات المنصوصة فهو منوط بالظنّ وأمّا هي فبأحد الوجوه الثلاثة في غاية الفضاعة والشناعة بل مقطوع بفساده ومدفوع بالإجماع كما لا يخفى ومنها أنّها مختلفة الترتيب ومختلفة العدد ففي بعضها قدّمت الشهرة وفي بعضها قدم السّند وبعضها اقتصر على مرجح واحد وبعضها على الاثنين وبعضها على الثلاثة وهكذا وهذا قرينة واضحة على عدم وجوب الترجيح بل يستحبّ كذا في الترجيح في شرح الوافية وفيه أن كونه قرينة على أنّ المقصود هو الترجيح بقوة الظنّ وذكر المرجّحات المذكورة من باب المثال أولى ممّا ذكره هذا ما يتعلَّق بالجميع من وجوه الإشكال أمّا ما يتعلَّق بالآحاد فقد أورد على المقبولة بأمور ولا بدّ أوّلا من نقلها وهي أحسن ما في الباب جمعا للمرجحات رواها المشايخ الثلاثة على ما عزي إليهم قال عمر بن حنظلة سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السّلطان أو إلى القضاة أيحلّ ذلك قال من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنّما يأخذه سحتا وإن كان ثابتا لأنّه أخذ بحكم الطاغوت وإنّما أمر اللَّه أن يكفر به قال اللَّه تبارك وتعالى ويتحاكمون إلى الطَّاغوت وقد أمروا أن يكفروا به قلت فكيف يقضيان قال ينظر إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حاكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل فإنّما بحكم اللَّه استخفّ وعلينا قد ردّ والرادّ علينا الرّادّ على اللَّه وهو على حدّ الشرك باللَّه قلت فإن كان كلّ رجل يختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم قال الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر قلت فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر قال ينظر ما كان من روايتهم عنا الَّذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمهما ويترك الشاذ النّادر الَّذي ليس بمشهور عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه وإنّما الأمور ثلاثة أمر بيّن رشده فيتبع وأمر بيّن غيّه فيجتنب وأمر مشكل يرد حكمه إلى اللَّه وإلى رسوله قال رسول اللَّه حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات ومن أخذ الشبهات وقع في المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم قال قلت فإن كان الخبران