على تقدير اختلاف المعاني فليس من مقام تعارض أقوال النقلة لأن المثبتين لا تعارض بينهما إلا بعد تضاد المحمولين ولا مضادة بين الأوضاع المتعددة إلا على القول بامتناع الاشتراك وكذا ليس من دوران الأمر بين النقل والمجاز لاستدعائه الهجر المعلوم انتفائه في المعاني المزبورة كلا بل من دوران الأمر بين الاشتراك والمجاز وسيجيء التحقيق فيه وفي الاصطلاح ذكروا له معان مرجعها إلى الأربعة المعروفة الدليل والقاعدة والاستصحاب والراجح وفي كون لفظ الأصل موضوعا لخصوص كل من هذه الأربعة نظر لإمكان إرجاع الاستصحاب إلى القاعدة وإلا لزم الالتزام بوضعها لجميع الأصول العملية فردا فردا ودعوى أكثرية استعماله في الاستصحاب بالنسبة إلى سائر الأصول غير معلومة بل المعلوم خلافه نعم لو قيل بوضعه لمجموع الأصول العملية حتى أصالة الصحة مثلا بوضع واحد جامع للكل لم يكن بعيدا خصوصا في ألسنة المتأخرين بل لا يبعد القول بعدم إطلاقهم الأصل بلا قرينة إلا عليها وأما الراجح فلم نجد له استعمالا إلا في قولهم الأصل في الاستعمال الحقيقة بناء على ما ذكره الكل أو الجل من أن المراد به الراجح والظاهر وهو مبني على كون أصالة الحقيقة مرجعها إلى الظن النوعي ولو قيل بأن مرجعها إلى أصالة عدم القرينة أمكن إدراجها في إطلاقات الثاني أعني القاعدة ومنه يظهر حال الأصل في قولهم الأصل في أفعال المسلمين الصحة نعم الظاهر أنه غلب في الأولين على سبيل الاشتراك لأنهما متباينان إذ القاعدة عبارة عن قضية كلية والدليل سواء أخذ باصطلاح أهل الميزان أعني القول المؤلف من القضايا أو من اصطلاح الأصولي أعني ما يمكن التوصل إلى آخره مباين لها كما لا يخفى تباين الكل والجزء أو تباين المفرد والمركب ثم إنهم اختلفوا في المراد من لفظ الأصول في هذا التركيب الإضافي بين من فسره بالمبني عليه وبين من فسره بالأدلة أو بالقواعد والتحقيق أن الاختلاف في مثل المقام لا يكاد يعقل لأن البحث عن الإرادة بعد تبين الوضع الاصطلاحي يستدعي استعماله في كتاب أو سنة أو كلام متكلم وإلا فاللفظ المفرد بعد العلم بوضعه غير متعلق به الإرادة حتى يسأل عن المراد به وإن أرادوا تعيين المعنى المنقول منه فالخلاف له وجه لكنه لا يلائم كلام جماعة منهم حيث يعللون ما اختاروه من التفاسير بأنه سالم عن النقل وإن أرادوا بيان معنى ينطبق على المعنى العلمي استراحة من النقل فهو أيضا جيد لكنه لا يوافق ظاهر مقالة الآخرين حيث يصرحون بأنهم اختاروا ما اختاروا لكونه أنسب بالنقل كما ستعرف إن شاء الله تعالى إلا أن يقال إن المختلفين نظيرهم في هذا الخلاف أيضا مختلف فغرض جماعة منهم وهم الذين لا يرون لزوم النقل إبداء معنى ينطبق على المعنى العلمي وغرض آخرين إبداء المناسبة بين المنقول إليه والمنقول منه وكيف كان فلنتكلم في أمور يتضح بها حقيقة الحال الأول أن ظاهر العضدي والمحكي عن غيره دعوى التطابق بين المعنى الإضافي والعلمي وهو مشكل لأن الأصول إن فسرت بالاستصحاب أو الراجح فلا مساس له بهذا العلم كما لا يخفى وكذا إن فسرت بالأدلة لأن أسامي العلوم موضوعة لنفس المسائل أو لملكاتها على الخلاف الآتي وأدلة الفقه موضوع لعلم الأصول فكيف ينطبق على حقيقته وما يقال من اعتبار حيثية الدلالة والبحث عنها حينئذ في الأدلة فينطبق على هذا العلم الباحث عن دلالة الأدلة يدفعه أن ملاحظة هذا الاعتبار لا يخرجها عن كونها موضوعا لهذا العلم باعتبار أن نفس الأدلة أمور تصورية ولو ملحوظا معها تلك الحيثية وحقيقة العلم تصديقات معهودة أو ملكة هذه التصديقات أو باعتبار أن الأدلة من حيث البحث عن دلالتها نفيا وإثباتا تندرج في المبادئ التصديقية بناء على ما يظهر من جماعة من كون موضوع علم الأصول هي الأدلة معنونة بعنوان كونها أدلة لأن التصديق بموضوعية الموضوع خارج عن حقيقة العلم جدا داخل في المبادئ التصديقية بين نفسه أو مبين في علم آخر فبقي من المعاني أمران المبني عليه والقاعدة أما الأول فانطباقه على هذا العلم جيد من غير ارتكاب خلاف أصل من نقل أو إضمار بشروط ثلاثة أحدها أن لا يكون أسامي العلوم موضوعة لملكات المسائل وهو خلاف المشهور وإن كان يقتضيه التحقيق الآتي وجه الاشتراط واضح لأن أصول الفقه على هذا التفسير عبارة عن مباني الفقه والمعنى العلمي عبارة عن ملكة المباني إلا أن يقال إن المباني أعم من أن يكون نفس القضايا الموقوف عليها الفقه أو ملكاتها فيتحقق الانطباق وفيه أن مباني الفقه لا يتناول المتبادر منه سوى العلوم المتوقف عليه الفقه وأما غيرها مما لا بد منه في تحقيق الفقه كملكة هذه العلوم أو وجود صاحب الملكة ووجود سائر أسباب الاستنباط من الكتب وغيره فلا يذهب إلى دخولها تحت المباني ذاهب فتدرب وثانيها أن تفيد الإضافة الاختصاص أو تكون للعهد حتى يرجع الأصول المفسرة بالمباني إلى المباني المختصة بالفقه أو المعهودة المراد بها المسائل الأصولية خاصة وإلا فمن الواضح شمول المباني للعلوم العربية وغيرها مما يتوقف عليه الفقه فكيف ينطبق على هذا العلم خاصة وستعرف ما في هذين الشرطين من المنع وإن ذكرهما الأكثر وثالثها أن يكون المراد بالأصول المفسرة بالمباني المباني الإجمالية لئلا يتناول المباني التفصيلية التي هي من أجزاء الفقه أعني الأدلة المفصلة المستدلة بها على المسائل الفقهية وهو أيضا ممنوع وما يقال في إثبات هذا الشرط من أن المضاف إليه أعني الفقه لما كان ملحوظا فيه الأدلة التفصيلية فلا جرم يكون المراد بالمضاف أي الأصول المباني الإجمالية فمما لا كراهة فيه لأن الفقه عبارة عن نفس المسائل الفقهية أو ملكاتها وأما الأدلة التفصيلية فهي غير مراد من لفظه في هذا التركيب الإضافي وإن قلنا إن الأدلة المستدل بها على المسائل من أجزاء العلوم فافهم وتأمل فيتناول أصول الفقه المباني الإجمالية والتفصيلية كليهما ومما ذكرنا ظهر ما في كلام العضدي والبهائي فإن الأول حاول الفرار من