المسألة ما لم يقم دليل على خلافه وحيث كان الأصل في الأحكام الظاهريّة التحريم وجب الاجتناب عن مشكوك الاعتبار والأصل في الأحكام الواقعية لما كان البراءة والعدم نهض بالنفي عند الشكّ في الوجوب فوجوب العمل بمظنون الأهميّة عينا ممنوع بالأصل وثانيهما أيّ من مقامي وجوب العمل بالمظنون بل المحتمل هو ما إذا شكّ في المكلَّف به مع عدم إمكان الاحتياط فإن وجوه المسألة أو أقوالها ثلاثة أحدها جواز المخالفة القطعيّة إذا لم يقم دليل على وجوب الامتثال في الجملة لأن التكليف مشروط بالقدرة والعلم والمفروض عدم العلم به تفصيلا ولا إجمالا بالاحتياط فمن أين يجيء حينئذ وجوب الامتثال الاحتمالي في الجملة وهو ظاهر جملة من الأفاضل يعرف ذلك من الإحاطة بمقالتهم في دليل الانسداد وفروع اشتباه القبلة والستر وسائر شروط الصّلاة مع عدم إمكان الاحتياط لضيق الوقت ونحوه واحتمل الأستاذ البهبهاني قدّس سره في خصوص اشتباه السّاتر مع ضيق الوقت عن الاحتياط القرعة أيضا وهذا الاحتمال يأتي في جميع الشبهات الموضوعية وثانيها وجوب الامتثال في الجملة على سبيل التخيير من غير مراعاة الظنّ والرجحان كما عن ظاهر الشرائع والمعتبر والقواعد والإرشاد والدروس واللَّمعتين والألفيّة وثالثها وجوب التحري والعمل بالظنّ وقد صرّح به غير واحد منهم صاحب المدارك وفاقا للمحقّق الثّاني في جامع المقاصد وتعليقات الشرائع والإرشاد في بعض الفروع وكذا الأستاذ البهبهاني قدّس سره وهو الأصحّ ووجه الثاني أنّ مع تعذر الموافقة القطعية بعد العلم الإجمالي يقتضي الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية لا سقوط التكليف بالمرّة كما هو مبنى الوجه الأوّل إذ التكليف بتحصيل الظنّ لا دليل عليه ويدفعه أن العقل قاض بالامتثال القطعي مع الإمكان ومع التعذر الأقرب فالأقرب والامتثال الظَّني أقرب إلى الامتثال القطعي بحكم العقل وبناء العقلاء فإمّا أن نلتزم بالقول الأول وهو سقوط التكليف رأسا أو بوجوب مراعاة الامتثال الظنّي فالامتثال الاحتمالي مع إمكان الظنّي تفصيل لا يساعده الدليل وعليه يبنى وجوب العمل بالظنّ في نتيجة دليل الانسداد بناء على الحكومة وتمام الكلام موكول إلى غير المقام المقام الثّاني فيما إذا تساويا في الأهميّة لا خلاف في أنّ الحكم حينئذ هو التخيير لكن فيه إشكال لا بدّ من دفعه وهو أن ما مرّ في تعارض الأصول والأمارات من خروج المتعارضين عن الدّليل آت هنا أيضا إذ البناء على دخولهما معا تحت الدليل القاضي بوجوبهما العيني تكليف بما لا يطاق وترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجح فمقتضى القاعدة المشار إليها سابقا أي التساقط هو الحكم بخروج المتزاحمين عن عموم الدّليل وعدم العمل به في شيء منهما دون التخيير والجواب عنه بوجوه أحدها أن يمنع الخروج عن تحت الدليل رأسا بل عن الوجوب العيني خاصة بأن يكون الخطاب مستعملا في القدر المشترك بين التعييني والتخييري هذا وعلى القول بأنّ الأمر مجاز في التخييري يكون من عموم المجاز الاصطلاحي وعلى المختار من كونه حقيقة في القدر المشترك يكون الخطاب مهملا من حيث المزاحمة وليس فيه تجوز وارتكاب خلاف ظاهر غير أنّه خطاب مهمل من الحيثية المذكورة ولا ينافيه أيضا كونه مطلقا عن سائر الجهات وكأنّه إلى ذلك يشير ما في القوانين أنّ الخطابات المطلقة مطلقة في حق الواجدين لشرائط التكليف ومشروطة في حق الفاقدين وثانيها أيضا منع الخروج على أن يكون مستعملا في الوجوب التعييني في الفرد السّليم عن المزاحم والتخيير في الفرد المبتلى بالمزاحم وهو أحد محتملات ما في القوانين على بعد وهو كما ترى التزام باستعمال الخطاب في المعنيين وثالثها وهو المختار الالتزام بالخروج اللَّفظي عن عموم الدليل مع ثبوت الحكم بالمناط القطعي فإن لازم ذلك التخيير العقلي وإنّما لم نقل به في تعارض الأصول والأمارات حيث بنينا فيها على التساقط لو لم يكن دليل من الخارج لأنّ المناط القطعي بل الظني فيها غير متضح إذ الأصول والأمارات شرعت لمصالح عرضيّة خارجيّة بناء على عدم التصويب واحتمال اختصاص المصلحة الشرعية بالصّورة السّليمة عن المعارض قائم ولا سبيل إلى القطع أو الظن بوجودها عند التعارض بخلاف الأحكام الواقعية مثل وجوب إنقاذ الغريق ووجوب أداء الدّين وأمثالهما فإنّ المصلحة الباعثة على التشريع بعينها موجودة في صورة المزاحمة أيضا فمقتضى الوجوب في كلّ منهما موجود وإنّما لم يترتب عليه المقتضى وهو وجوب الامتثال عينا لوجود العجز وبعد ملاحظة المقدّمتين أي وجود المقتضي وعدم القدرة على امتثالهما معا يحكم العقل بالتخيير فتلخص من جميع ما ذكرنا أن الواجبين المتزاحمين إن كانا موسّعين فالتخيير مطلقا وإن كانا مضيّقين فكذلك إلا إذا كان أحدهما أهمّ فيقدّم على الآخر وإن كان أحدهما مضيقا والآخر موسّعا فالمضيق أيضا مقدم على الموسّع فيفسد بناء على مسألة الاقتضاء ولا فرق في شيء من ذلك بين أن يكون المتزاحمان من جنس واحد أو من جنسين مختلفين وهذا الَّذي ذكرنا ممّا لا إشكال فيه بل لا خلاف إلا أنّه نقل عن بعض الأعلام هنا ما من الغرابة بمكان حيث فصل في المقام وقال ما حاصله إن الثمرة المعروفة وهو فساد الضدّ إنما يصحّ إذا كان الأمر بالمضيق قطعيا والأمر بالموسّع ظنّيا دون العكس ودون ما إذا كانا قطعيّين أو ظنيين أمّا القطعيّان فلامتناع صدور الأمر بالمضيق والأمر بالموسّع من الأمر في زمان واحد