على ما ذكروه أن يكون أحدهما حق اللَّه تعالى والآخر حق النّاس وهو على إطلاقه غير مسلَّم فربّ حق للَّه تعالى أولى وأهمّ من حقّ الناس كحفظ نفس الإمام فإنّه أهمّ من جميع حقوق الناس فإذا كان أحدهما أهم من الآخر شرعا وجب تقديم الأهم خلافا لظاهر الفاضل التوني حيث قال بالتخيير وهو بظاهره ممّا لا وجه له لأنّ المراد بالأهمّ ما ثبت وجوب تقدّمه على الآخر بالدّليل اللَّهمّ إلَّا أن يكون مراده بالأهميّة المزية بالقياسات والاستحسانات كما إذا دار الأمر بين إنقاذ الغريقين وكان أحدهما عالما أو هاشميّا أو تقيا أو نحو ذلك من الأمور الَّتي يخطر ببال أكثر الناس كونها سببا للترجيح فإنه لا عبرة بها ما لم يقم عليه دليل معتبر وهذا الإشكال فيه ويؤيده عدم تعرض الشارح صدر المحققين له بالردّ والقبول وهل يكفي فيه الظنّ أم لا ذهب شيخنا العلَّامة طاب ثراه في رسالة التعادل والتراجيح إلى الأوّل بل قال أو مال إلى كفاية الاحتمال أيضا نظرا إلى انتفاء مقتضى التخيير مع احتمال أهميّة أحدهما على الآخر إذ القاضي بالتخيير والحاكم به هو العقل وهو إنما حكم به مع تساويهما في نظره وإذا احتمل رجحان أحدهما على الآخر فمناط حكم العقل بالتخيير وموضوعه وهو التساوي غير محرز فكيف يحكم بالتخيير حينئذ مع أنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة فمع احتمال كون أحدهما أهمّ عند الشارع من الآخر وجب الأخذ بالقدر المتيقن الَّذي يتحقق به البراءة اليقينية هذا ويمكن المناقشة في ذلك بأن احتمال الأهميّة مرجعه إلى الشكّ في التكليف الزائد فوق التكليف بالقدر المشترك فهو مدفوع بالأصل سواء قلنا بالبراءة في دوران الأمر بين التعيين والتخيير الشرعيّين أو العقليين بعد العلم الإجمالي أو قلنا فيه بالاحتياط والاشتغال أمّا على القول الأوّل فواضح وأمّا على الثاني فلأنّ الدّوران بينهما إنّما هو لإجمال مراد الشارع المعلوم بالإجمال ودورانه بين ما هو واجب وما ليس بواجب رأسا بالذات فلا غرو حينئذ في البناء على الاحتياط إلحاقا له بالمتباينين ومراد الشارع في باب التزاحم ليس بمجهول ولا بمجمل إذ المفروض وجود مقتضى وجوب كلّ منهما في حدّ ذاته وإنما الشكّ في وجود المانع لهذا المقتضي في الطرف المرجوح ومن البين كونه شكا بدويّا صرفا فيدفع بأصالة البراءة وأصالة العدم قولك إنّ موضوع حكم العقل هو التساوي فمع الشكّ فيه كيف يحكم بالتخيير قلنا ليس موضوع حكم العقل ذلك بل هو وجود المقتضي للامتثال في ضمن كلّ واحد منهما مع عدم إمكان الجمع فالعقل بعد ما رأى ذلك فلا يسعه إلَّا الحكم بالتخيير لأنّ ترك الكلّ مخالفة بلا عذر وجمعها غير مقدور والامتثال مهما أمكن لازم فلا جرم يحكم بالتخيير ما لم يمنعه الشارع ويحكم عليه بتقديم أحدهما فما لم يحكم به عليه فلا محيص له عن التخيير ومن المقرّر أنّ حكم الشارع يتوقف على الدليل وليس فليس فظهر أنّ الأصحّ عدم حجّية الظن بالأهمّية فضلا عن الشكّ نعم العمل بالظنّ بل الاحتمال في مقام الترجيح صحيح في مقامين خارجين عن المقام أحدهما الأحكام الظَّاهرية فإنّ الأصل فيها التساقط عند التعارض لأنّ الحكم بدخولهما جمع بين المتناقضين أو الضدّين في حكم الشارع وهو باطل وترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجّح فلا جرم يكون الحكم التساقط مطلقا دون الترجيح والتخيير على التحقيق الَّذي عليه أهله في محلَّه فالعمل بهما أو بأحدهما يحتاج إلى الدّليل فإن لم يقم دليل من الخارج لا يحكم في تعارض الأحكام الظَّاهرية بالتخيير ولا بالترجيح سواء كان من الأصول أو الأمارات كما حققناه في باب التعادل والتراجيح ثم إن قام به دليل من خارج على وجوب العمل بها عند التعارض أيضا يتبع مفاده فقد يكون هو الترجيح خاصّة ومع عدمه لا يحكم بالتخيير بل بالتساقط وقد يكون مع التخيير أيضا وقد ثبت في طرق الأحكام كلّ من القسمين فإنّ ظواهر الألفاظ من القسم الأوّل فإذا تعارضت وجب التحري وطلب الترجيح ولم يثبت فيها التخيير مع عدم الترجيح على ما هو الحق المختار للأكثر خلافا للشاذ والأخبار الآحاد من القسم الثاني فقد ثبت فيها الترجيح عند التعارض أولا ثم التخيير وكذا فتوى المجتهد للمقلَّد فإنّه يجب فيها أيضا الأخذ بالراجح وعليه مبنى وجوب تقليد الأعلم فإن لم يكن ثمة ترجيح فالحكم فيه هو التخيير كالأخبار في حق المجتهد هذا حال أدلَّة الأحكام وأمّا الأمارات الموضوعية فلم يثبت فيها تخيير ولا ترجيح إلَّا في خصوص تعارض البينتين في حق القاضي على بعض الوجوه المقررة في محلَّها لا مطلقا فلو تعارضت البيّنتان في القبلة مثلا أو في شيء من الموضوعات لم تنفع المرجحات بل الحكم حينئذ التساقط أو التخيير في بعض المقامات ثمّ إذا ثبت وجوب العمل عند التعارض في الجملة على خلاف القاعدة التساقط وثبت أيضا وجوب العمل بالراجح فهنا يعتبر الظنّ بالمرجح بل الاحتمال أيضا يكفي في وجوب العمل بالراجح المحتمل مطلقا سواء قلنا بالتخيير في دوران الأمر بين التخيير والتعيين أو قلنا بالاحتياط والاشتغال أمّا على الثاني فواضح وأمّا على الأول فلأنّ التخيير المستفاد من أصل البراءة إنما هو إذا كان الأصل في المسألة البراءة أو الإباحة دون الحظر والتحريم والتعبّد بالأحكام الظاهريّة أصلا كان أو أمارة عمل بما وراء العلم المنهي عنه بالأدلَّة الأربعة ولا يجوز الخروج عنه إلا بالدليل والَّذي يحتمل الرجحان مقطوع به والآخر مشكوك فيه فيرجع فيه إلى أصالة الحرمة وهذا هو الفارق بين تعارض الأحكام الظَّاهريّة وتعارض الأحكام الواقعيّة إذ المتبع في كلّ مسألة هو الأصل الجاري في تلك