لأنّ التخيير حينئذ إنما هو بين فعل كلّ منهما وتركه إلى بدل مع قطع النظر عن كونه موصلا إليه بل على القول ببطلانه أيضا لا يصدق تعريف المباح عليهما وإن كان لهما ثالث لم ينفع القول بالمقدّمة الموصلة أيضا إذ الإيصال في الفرض المذكور لازم للترك وطلب كلّ من الفعل والترك حينئذ ولو تخييرا لغو صرف لكونه تحصيلا للحاصل كطلب النقيضين لعدم خلو المكلَّف عنهما وكذا عن الفعل والترك الموصل مما لا ثالث لهما ومجرّد تقييد الترك بالموصل مع كونه لازما لا ينفع في تصحيح الطَّلب وإن كان مغايرا للمباحث ومنهم من أجاب عن الإشكال بأنّ المباح ما لا يكون في شيء من فعله وتركه مصلحة فإذا كان في فعله مصلحة وفي تركه أيضا مصلحة خرج عن تعريف المباح وممّا ذكرنا ظهر أيضا فساده إذ يستحيل أن يكون في كلّ من وجود الشيء وعدمه مصلحة للزوم التناقض إلَّا إذا كان الترك مصداقا لأمر وجودي آخر ذا مصلحة كما إذا كان فعل شيء إحسانا لمؤمن وتركه إحسانا لآخر فإن في كلّ من الفعل والترك حينئذ مصلحة ورجحان من جهتين مغايرتين إلَّا أنّ طلبهما أيضا ولو تخييرا لغو بعد عدم خلو المكلَّف عنهما نعم إذا كان الفعل والترك أو أحدهما عبادة جاز تعلَّق الأمر الوجوبي أو الاستحبابي بهما معا على سبيل التخيير وبذلك رفعوا الإشكال عن العبادات المكروهة الَّتي لا بدل لها كالصّلاة في الأوقات المكروهة والصيام المكروهة وأمّا التوصّليان فلا معنى لتعلَّق الطلب الوجوبي أو الاستحبابي بكلّ من الفعل والترك بملاحظة الجهتين للزوم العبث واللَّغوية في أصل الطَّلب بخلاف التعبّديين أو الفعل التعبدي لإمكان فرض خلوّ المكلَّف عن الفعل التعبّدي والترك معا بأن يفعل من غير قربة فيصحّ حينئذ طلب فعله التعبّدي وتركه على وجه التخيير وجوبا أو استحبابا كما هو مقرّر في محلَّه هذا كلَّه بالنّسبة إلى الأمر الَّذي يقتضي النهي وأمّا الضدّ المنهيّ عنه فخصّه جماعة على ما حكي عنهم منهم المحقق القمّي رحمه الله في القوانين بالموسّع وهو اصطلاحا ظاهر في الواجب الموسّع فيخرج ما عداه عن محلّ النزاع ولا وجه له إلَّا عدم ترتب الثمرة المعروفة وهو فساد الضدّ على ما عدا الواجب وأورد عليهم أوّلا بأنّ اختصاص الثمرة بالواجب لا يقضي باختصاص النزاع به حسبما عرفت في تقييد الأمر بالمضيق وثانيا بظهور الثمرة في فساد المعاملة الواقعة في وقت الواجب المضيّق إذا كانت ضدّا له ومفوتا له وفي حرمة أخذ الأجرة على الضدّ لأنّه من الأجود على المحرّمات مع أنّ الثمرة المعروفة جارية في المستحبّات لوضوح بطلان المستحبّ المزاحم للواجب المضيّق وإن خالف فيه صاحب الوافية ويرد على الأولى بأنّها مبنية على كون النهي في المعاملات مقتضيا للفساد مطلقا والمشهور عدم اقتضائه له إذا كان لأمر خارج عنها مقارنا معها كالبيع وقت النداء وذبح الغاصب بل ادّعى الآمدي الإجماع عليه على ما حكي عنه وأمّا الثّانية ففيها أيضا بحث لأن حرمة أخذ الأجرة على المحرّمات لا دليل عليها سوى حديث تحف العقول ونظر الأصحاب في ذلك ليس إليه بل إلى شيء آخر وهو اشتراط القدرة على التّسليم في المعاوضات وإنما هي مبنية على فقدان شرط القدرة إذ مع النهي عن الفعل ينفي القدرة عليه لأنّه ممنوع عنه والمنع الشرعي كالمنع العقلي فيكون ما يؤخذ بإزائه بلا عوض وهو سحت وأكل للمال بالباطل ويدفعه أن العقد لو كان صحيحا ارتفع المنع الشرعي عن تسليم العمل لصيرورته حينئذ واجبا عينيّا مثل الواجب الَّذي كان العمل المذكور ضدّا له فيجتمع عليه واجبان عينيان لا يقدر على امتثالهما معا بل على وجه التخيير والقدرة المعتبرة في صحّة العقود أعمّ من القدرة المقارنة للعقد والحاصلة بعده فلو فرض القدرة بعد العقد بسبب خارجي آخر غير نفس العقد كفى ذلك في صحة العقد فكذلك القدرة الحاصلة بنفس العقد والحاصل أن العقد بمقتضى العمومات صحيح ولازم صحته انقلاب العجز عن تسليم العمل إلى القدرة وهذا يكفي في خروج المعاملة عن السّفهية الَّذي هو الداعي لجعل القدرة من شروط صحّة العقد إذ ليس اعتبار شرط القدرة لدليل تعبّدي حتى يقتصر على القدرة السّابقة أو المقارنة بل لئلَّا تكون المعاملة سفهيّة ولأن تكون قابلة للأمر بالوفاء ومن الواضح حصول الشرطين بالقدرة الحادثة بعد العقد أو سببه نعم لو كان إباحة العمل شرطا مستقلَّا لا للقدرة على التسليم كما يدلّ عليه حديث تحف العقول وظاهر فتاوى الأصحاب أمكن القول بصحة الثمرة الثانية على إشكال وتأمّل أيضا لنحو ما قلنا من أنّ العقد إذا كان سببا لزوال سبب التحريم فلا وجه لحرمة الأجرة وإنما هو في مثل أجرة المغنية وعمل الصّنم أو الآلات أو المضمار ونحو ذلك ممّا هو محرم ذاتا ولا يزول عنوان المحرم عن عنوانه بسبب العقد الصّحيح كما نحن فيه فليس هذا من الأجرة على المحرم فليتدبّر في المقام فإنه محتاج إلى الدقة نعم الظاهر صحّة الثمرة الأخيرة وهو بطلان المستحب في وقت الواجب المضيق وخلاف صاحب الوافية هنا إن كان لإنكاره الثمرة المعروفة فهو وإن كان لخصوصية في المستحب فضعفه ظاهر ويأتي في بيان الثمرة تعرض آخر لمقالته ويمكن حمل الموسّع في كلام من قيد الضدّ بالموسّع على معناه العرفي أي ما يجوز فعله وتركه كما عن المحقق القمّي في حاشية القوانين لا الموسّع المصطلح فيعمّ المستحبات بل المباحات وهو الحقّ هذا ما يتعلَّق بالواجب الضيق والضدّ الموسّع بقي الكلام فيما إذا كان كلاهما مضيّقين والكلام هنا في مقامين الأوّل في أن يكون أحدهما عند اللَّه تعالى أهمّ من الآخر ومن وجوه الأهميّة