دون اللَّفظ وما يجري مجراه من الكواشف عمّا في ضميره ولبّ الطَّلب ومعناه حسبما عرفت سابقا ليس قابلا للاشتراط والتعليق بل مرجع الإطلاق والاشتراط هي المصلحة الباعثة عليه فيكون الوجوب المطلق ما كانت المصلحة الداعية إليه مطلقة يعني موجودة غير موقوفة على أمر غير حاصل والمشروط ما كان المصلحة الداعية إليه موقوفة على أمر غير حاصل وحينئذ لا يكاد يعقل الواسطة بين المطلق والمشروط فإنّ حال الفعل لا يخلو عن أحد الأمرين فإمّا أن يكون ذا مصلحة فعلية فالطَّلب المتعلَّق به حينئذ منجز غير متوقف على شيء وإمّا أن يكون ذا مصلحة معلَّقة على حصول أمر غير حاصل فالطَّلب المتعلَّق به حينئذ مشروط فلا واسطة بين الأمرين وبعبارة أخرى أنّ الطلب حسبما حققنا سابقا وهو مختار هذا الفاضل ليس إلَّا الإرادة وهي كيفية نفسانية غير قابلة للاشتراط والتّعليل ولذلك التجأنا إلى إرجاع قيود الطَّلب إلى المصلحة الباعثة عليه وقلنا إنّ المصلحة إن كانت موجودة حال الخطاب غير موقوفة على أمر غير حاصل فالطَّلب المنبعث منها مطلق وإن كانت موقوفة على أمر غير حاصل غير موجودة حال الخطاب فالطَّلب المنبعث منها مشروط فكيف يتعقل هنا فرض آخر ليكون قسما ثالثا يسمّى بالمعلَّق هذا باعتبار اللَّبّ وأمّا ظاهر الخطاب واللَّفظ الكاشف عنه فلا عبرة باختلافه بمقتضى القواعد العربية فما يفرق بين المشروط والمعلَّق نظرا إلى أنّ القيد في الأوّل قيد للطلب وفي الثاني قيد للمطلوب فإن قال الآمر افعل كذا في وقت كذا فهو معلَّق وإن قال إن دخل وقت كذا افعل كذا فهو مشروط فممّا لا يجدي شيئا إذ لا فرق بينهما إلا بحسب العبادة وهو ممّا لا اعتبار به في الأحكام العقلية فلا وجه لاختلافهما في اقتضاء وجوب المقدّمة وعدمه وكذا في سائر الأحكام العقلية بعد عدم تعقل الفرق بينهما في الطَّلب المستكشف منهما حسبما عرفت ولعمري إنّ إكثار الكلام وغاية النقض والإبرام في هذا المقام لا يرتفع به غواشي الظَّلام عن وجه المرام إذا لم يساعدنا في هذا الملك العلَّام وأمّا ثانيا فلأن الاكتفاء بالتقدير في ثبوت الحكم الشرعي في التأثير لو صحّ إنّما يصحّ عند الذهن السّليم المنصف لو كان للوجود الفعلي مدخلية وتأثير في الحكم الواقعي كما هو كذلك في الشروط المتأخرة الواردة في الشّرع حسبما مرّت الإشارة إليها لأنّ رضاء المالك مثلا له مدخلية في سببية البيع للنقل فلا غرو في الاكتفاء بوجوده التقديري أمّا لو كان أصل وجودها لا مدخلية له في الحكم الشرعي واقعا كما هو مبنى هذا الأصل فكيف يكون تقدير وجودها والاعتبار المنتزع منها دخيلا وشرطا فإذا لم يكن وجود الزّمان شرطا فكيف يكون تقدير وجوده شرطا مع كون التقدير غير منفكّ عن وجوده فإن قلت هذا استبعاد محض ودين اللَّه لا يصاب بالعقول ولا يوهنه الاستبعادات ولا يثبته الاستحسانات فلم لا يجوز أن يكون وجود الشيء غير مؤثر شرعا في الحكم ويكون تقديره مؤثرا قلت نعم إلا أن لكلّ صواب نورا وكلّ حق حقيقة والذّهن السّليم والقسطاس المستقيم لا يتحمل هذه الأثقال الوهمية الباطلة كما لا يخفى على كلّ ذي قوة عاقلة وبالجملة لا سبيل إلى نفي الاشتراط مع توقف الفعل إلى أمر غير مقدور ولا يعقل ثبوت الوجوب قبل وجوده الفعلي لأنّ وجوده التقديري لا يجعل الفعل المتوقف عليه مقدورا حتى يكون قابلا للتكليف المنوط بالحسن والقبح العقليين نعم يجوز أن يكون في غير المقدور وبعض المصالح والخواص الذاتية المترتب عليه من دون تكليف إلا أن مناط التكليف ومداره على شيء آخر لا يوجد في غير المقدور اتفاقا فإن قلت فكيف الحال في الشّروط المتأخّرة المشار إليها والوقوع أخصّ من الإمكان ولا مصحّح له عند العقل سوى ما ذكره من شرطية التقدير والاعتبار المنتزع من وجوداتها المتأخّرة قلت أوّلا عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود و لعلّ الشرط الواقعي عند الشّارع أمر مغاير للمشروط يكشف عنه وجوداتها المتأخرة وتوضيحه أنّه إذا ورد في الشرع ما يتراءى كونه شرطا متأخرا نظرنا إلى دليل الاشتراط فإن كان للتصرّف في الشّرط أو المشروط أو فيهما مسرح ومجال ارتكبناه وجب المسير إليه بقرينة العقل القاضي باستحالة تأخر الشّرط عن المشروط وإن لم يكن مسرح للتصرف في شيء منهما كشف علم من ذلك علما قطعيّا ذلك كشفا قطعيّا بأنّ الَّذي سمّاه جعله الشّارع شرطا ليس بشرط بل الشرط أمر سابق مقارن للحكم الشرعي مكشوف بوجود ما جعله شرطا متأخّرا في الأدلَّة ولا يصار إلى ما ذكره من إرجاع الشرط إلى الاعتبار الَّذي لا اعتبار له عند أولي الاعتبار كما يفصح عنه بطلانه في إجازة الفضولي بالاتفاق فلو كان له اعتبار لاعتبروا به هناك وقصّروا الكلام ولم يقعوا فيما وقعوا من الاضطراب العظيم والجدل الجسيم وثانيا أن شيئا من الموارد المذكورة ليس نصا بالشرط المتأخّر الَّذي يتضيق به الخناق وتلتف في توجيهه السّاق بالسّاق حتى يكون إلى ربّك يومئذ المساق أمّا الزكاة فلإمكان كونها في أوّل هلال الثاني عشر زكاة معجلة كالفطرة الَّتي تخرج قبل هلال شوّال عند جماعة من الأصحاب حيث يجوزونه ويسمّونه بالزكاة