بين الإهمال والتقييد لأنّ القيد المشكوك إن كان معتبرا في المطلوب فهو بالقياس إليه مقيد وإن كان شرطا للطَّلب فالمطلوب بالقياس إليه لا مطلق ولا مقيد بل ساكت ومهمل إذ المفروض صدور الطَّلب بعد فرض وجوده وبعد الفرض المذكور لا حاجة إلى تقييد المطلوب به لكونه من قبيل تحصيل الحاصل ولا معنى لتقييده به أيضا لأنّ التقييد عبارة عن تخصيص ما له قابلية العموم والإطلاق فإذا فرض صدور الطَّلب بعد فرض وجود ذلك الشرط فليس هناك شيء قابل لإلزام المكلَّف به بتقييد المطلوب وتخصيصه بذكر القيد وهذا هو المراد بالإهمال فإن قلت لم لا يجوز تقييد المطلوب على تقدير صدور الطَّلب بعد فرض وجود القيد فإنّ وجوده لا يغني عن تقييد المطلوب به قلت إن أردت تقييده بحصوله في الخارج فهو حاصل حسبما بيناه وإن أردت تقييده بتحصيله فهو مستلزم للمحال بالوجوه المتقدّمة إذ بعد فرض اعتبار حصوله في تحقّق الوجوب يستحيل اعتبار تحصيله في الواجب للدّور والتناقض ولزوم تقدّم المعلول على العلَّة كما عرفت فظهر أنّ المطلوب مردّد بين التقييد والإهمال والطَّلب دائر بين التقييد والإطلاق لأن تقييد الطَّلب لا معنى له سوى صدوره بعد فرض وجود الشرط المشكوك وإطلاقه عبارة عن صدوره من غير فرض وجوده وهذا هو الفارق بين مفاد الهيئة ومفاد المادة فإطلاق الطلب يجب الأخذ به لعدم العلم بالقيد وإطلاق المطلوب لا يجب الأخذ به نظرا إلى احتمال صدور الخطاب بعد فرض وجوده وعدم كونه مطلقا في هذا الفرض ولا مقيدا فالمقتضي للأخذ في جانب الطَّلب موجود من غير معارض لأنّ المعارض ليس لزوم تقييد مطلق آخر وهو غير لازم بخلاف المطلوب فإن المقتضي للأخذ في طرفه غير محرّر فتدبر جيّدا فإن البحث يحتاج إلى كمال الدّقة والتأمّل ورابعها أنا إن سلَّمنا إطلاق المطلوب بالنّسبة إلى الشرط المشكوك فندعي أنّ إطلاق الطَّلب أرجح وبناء العمل عليه متعيّن لأنه إطلاق أحوالي وإطلاق المطلوب أفرادي بدلي وقد تقرر في محلَّه أنّه متى دار الأمر بين عمومين أو إطلاقين أحدهما أحوالي استغراقي والآخر بدلي أفراديّ كان الأحوالي أولى إذ الأصول اللفظية ليست كالأصول العملية الَّتي انسدّت فيها باب التراجيح بل بناء الأصحاب فيها على التعاضد والتراجيح لأنّ اعتبارها إنّما هو من الظَّهور العرفي فيلاحظ فيها جهة القوة والضّعف كما لا يخفى وخامسها أنا لو أغمضنا عن ذلك كلَّه فنقول إنّ العلم الإجمالي إذا يتولد منه المخالفة العلمية لم يمنع من العمل بالأصلين وهنا لو عملنا بإطلاق الهيئة والمادة معا لم يلزم مخالفة عملية إذ مقتضاهما إتيان العمل بدون الشرط المشكوك وعنده لا قطع بالمخالفة وفيه غموض وإشكال إذ لو بني على الإطلاق في الموضعين وأوتي بالفعل بدون القيد لا يكون صحيحا قطعا لأن المفروض أنّه شرط للصحّة إمّا لذاته أو بسبب تقييد الطلب به لما عرفت من سريان تقييد الطَّلب إلى المطلوب ويدفعه أن مجرّد الفساد ليس مخالفة عملية لاحتمال كون الفساد من عدم الأمر والوجوب ففساده مردّد بين أن يكون لعدم الأمر أو لعدم الشرط وفي مثله لا قطع بالمعصية والمخالفة العملية فتأمل هذا كلَّه إذا كان ما يشكّ في كونه قيدا للطَّلب أو المطلوب حدوثه وإن كان الشكّ في كون حدوث شيء شرطا للوجوب أو بقائه شرطا للواجب لزم الإجمال للعلم الإجمالي بتقييد أحدهما فيتعارضان ويتساقطان ومثله ما لو شكّ في اشتراط الطَّلب بشيء واشتراط المطلوب بشيء آخر فإن الحكم أيضا الإجمال للعلم الإجمالي وقد يقال إن الوجهين الأخيرين من الوجوه الخمسة الماضية آنفا وهما البناء على إطلاق الهيئة ترجيحا له على إطلاق المادة وجواز العمل بالأصلين لكان عدم المخالفة العملية في إتيان الفعل بدون القيدين يتمشّيان هنا أيضا وهو غير بعيد وإن كان الاعتماد عليهما في البناء على إطلاق الوجوب لا يخلو عن دقة فتدبّر هذا كلَّه بالنّسبة إلى ما يقتضيه الأصول اللَّفظية وأمّا حكم المسألة باعتبار الأصول العملية فيمكن استخراجه بل ذكرناه في الصّورة الأولى وليس هنا محلّ تفصيله وأمّا الصّورتان الأخيرتان المتعاكستان فحكمهما الاقتصار على تقييد ما علم ورود القيد عليه طلبا أو مطلوبا والبناء على الإطلاق في الجانب الآخر الَّذي لم يعلم تقييده وهذا واضح تذنيب اعلم أن هنا إشكالين معروفين أحدهما أنه ما معنى تقييد الطَّلب المستفاد من الأمر وكيف يعقل اشتراطه مع أن الإنشاء غير قابل للاشتراط والتعليق ضرورة أن الإنشاء هو إيجاد الشيء وهو لا يجامع التعليق الَّذي مقتضاه عدم حصول المعلَّق قبل وجود المعلَّق عليه وإن هو إلا تناقض واضح ويسري هذا الإشكال إلى جميع أبواب العقود والإيقاعات وعليه بني اشتراط التنجّز فيها مع عدم دليل عليه سوى الإجماع حتى قال بعض إن اشتراط التنجز فيها موافق للقاعدة ولا يحتاج إلى الدّليل لأنّ العقد والإيقاع من الإنشاء لفظا ومعنى والتعليق غير معقول في الإنشاء وثانيهما أنّ الإطلاق والتقييد من صفات الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني الكلَّية والماهيات المطلقة القابلة للتقييد والتنويع كأسماء الأجناس فكيف